بلغت نسبة المشاركة العامة في الانتخابات النيابية عام 2018، بحسب أرقام وزارة الداخلية، 49.68 في المئة، ما يعني أن خمسين في المئة من الناخبين اللبنانيين لم يقترعوا للطبقة الحاكمة حالياً، ولم يصوّتوا لأي من الذين وصلوا الى المجلس النيابي. ورغم كل ما قيل حول السبب الكامن وراء نسب المشاركة ربطاً بقانون الانتخاب وفق النسبية، فإن المحصلة النهائية دلّت على أن نصف الشعب اللبناني لم يقترع. وهؤلاء مواطنون لبنانيون، سواء كانوا مقيمين في لبنان أو خارجه، وإن لم يمارسوا حق الاقتراع. وتالياً، لا صوت لهم حالياً في المجلس النيابي وفي أي محفل سياسي آخر، وهم يختلفون تماماً عن أولئك الذين صوّتوا لمرشحين لم يحالفهم الحظ في الوصول الى المجلس.

في عهد كالعهد الحالي، كان يفترض أن يكون رئيس الجمهورية ممثلاً لهؤلاء كما للذين مارسوا حق الاقتراع. ففي فرنسا (التي تتمثل فيها قوى سياسية) حين يفوز مرشح اليمين يصبح رئيساً للاشتراكيين كما لليمين المتطرف ولكل الاحزاب الصغيرة أو الكبيرة، ولجميع الذين لم يقترعوا، تماماً كما في كل الدول الديموقراطية. ولكي يصبح لهؤلاء صوت فاعل، كما للنخب السياسية والوطنية، يفترض أن يكون تمثيلهم في الحكومة متقدماً على حصص الاحزاب، برعاية رئيس الجمهورية، كما حصل في فرنسا أكثر من مرة من خلال الإتيان بوجوه ثقافية وعلمية وسياسية من خارج الحزب الحاكم.
ما يحصل اليوم في تأليف الحكومة يثبت مقولة إبعاد كل النخب السياسية والعلمية وأصحاب الكفاءة، لصالح الحزبيين أو من يدور في فلك رؤساء الاحزاب، وحصر التمثيل الحكومي بوزراء الاحزاب فقط، علماً بأن تاريخ لبنان الحديث والقديم شهد تجارب مختلفة تماماً، في ظل الرؤساء السابقين، وإن اختلفت ظروف رئاستهم وممارستهم الرئاسية سلباً أو إيجاباً، أثبتت فعاليتها ونجاحها. كل العهود الرئاسية قدمت نماذج وزارية، خارجة عن المسار التقليدي، وإن أصبحت لاحقاً أقرب الى خط سياسي ما، لا يزال يضرب بها المثل عند الحديث عن أداء حكومي لافت، مهما اختلف الموقف من العهد نفسه: من إميل بيطار ومعركته الرائدة في ملف الصحة والدواء، على عكس ما يجري حالياً في هذا الملف، الى حسن مشرفية الذي رحل العام الماضي، وتجربته الاستثنائية في الجامعة اللبنانية وكلية العلوم، وميشال إده والياس سابا وفؤاد بطرس ورضا وحيد وإيلي سالم، ولاحقاً جورج افرام وجورج قرم وشارل رزق وشربل نحاس. هل ننسى أن شارل حلو كان وزيراً؟ وأن أصحاب كفاءات وعلم وخبرة دخلوا الحكومات، فأغنوها، ولو أن بعضهم يئس من سيطرة «الطبقة الحاكمة» فترك وهاجر، ودفع ثمن تغليب الطبقة السياسية مصالحها الآنية؟
تقف العقدة الحكومية في الظاهر عند ما أصبح يسمى العقدة السنية. لكنها فعلياً ليست سنّية بالمعنى الطائفي، وتمثيل السنّة الذين لم يصوّتوا للرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل. بل هي عقدة موقع الوزير والى أي كتلة ينتمي، كتلة الرئيس أم كتلة لبنان القوي أم الكتلتين معاً، في خلاصة لا يخجل بها أي من الذين يمارسون السلطة، أي إن حصر الوزير المطلوب بشخصه وحيثيته برئيس الحزب أو رئيس الجمهورية، بتبعية مطلقة لأي منهما، فلا يخرج أي مستوزر عن طاعة من عيّنه وزيراً. ليست هذه حال العهد وتياره فحسب، لأن المثل ينطبق على جميع الاحزاب والقوى السياسية والطائفية على اختلافها. لكن أهمية أي تصرف يقوم به العهد أنه يتعلق برئيس الجمهورية بكل رمزية هذا الموقع وأهميته، ولأن تيار العهد في الواجهة، ويتحول بالممارسة محور العقدة الحكومية. فالنقاش السياسي ينحصر في الحصة الوزارية عددياً، وبما تمثله هذه الحصة مستقبلاً، من دون أن يعير أحد الاهتمام بنوعية الوزراء المقترحين، لأن القاعدة المعتمدة حالياً في الاختيار هي أولاً الانتماء إلى الحزب أو الجهة المكلفة بالاختيار، وثانياً مستوى الالتزام والانقياد لهذه الجهة، وهكذا أصبح الموظفون والمستشارون وزراء، وسيصبح مستشارو المستشارين وزراء ايضاً، في حين أنه كان يؤمل من عهد كعهد الرئيس ميشال عون اختيار أسماء وزارية من خارج هذه الحلقة، يشهد لها بالوزن العلمي والأخلاقي والوطني، تنقل التجربة الحكومية الى مستوى مختلف من الاداء الحكومي. وينطبق الامر نفسه على كل القوى والاحزاب التي باتت تقدم الى حزبيين مكافآت عبارة عن حقائب وزارية.
هناك فكرة متداولة منذ ما قبل الدوحة تتعلق بموقع رئيس الجمهورية في الحكومة وعدم جواز حصوله على حصة رئاسية، وهي فكرة تبناها عون بنفسه أيام الدوحة، قبل أن ينقلب عليها، ويطالب مع تياره بحصة وزارية وازنة، ما تحول عقبة رئيسية أمام تأليف الحكومة. لكن انتقال رئيس الجمهورية، أو فريقه، وصولاً الى الاحزاب السياسية الاخرى، الى مرحلة اختيار وزراء خارج هذا الاصطفاف، ينقل النقاش السياسي الى مكان أكثر أهمية ويعطي للمفاوضات الحكومية نكهة أخرى. لأن هذا التحدي يضع الجميع أمام مسؤولية من نوع آخر، اكبر من مجرد حصص عددية، ويجعل رئيس الجمهورية يطالب القوى السياسية برفع مستوى تمثيلها من الوزراء على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، علماً بأن وزراء من هذه النوعية قد يكونون من حصة هذا الفريق أو ذاك، لكن على الاقل سنكون في حاضرة مشهد جديد يجمّل الطبقة الحالية ويعطيها بعداً آخر، لأن لا أحد متفائل بأن هذه الطبقة ستتغير، ما دامت قد أتت الى المجلس النيابي بأبناء الزعماء والقيادات السياسية وورثتهم، بما في ذلك القيادات الجديدة غير التقليدية... حتى من خلال النسبية.