يعكس الإقرار الرسمي الإسرائيلي بفشل محاولة إقناع الولايات المتحدة في فرض عقوبات على الجيش اللبناني، أكثر من رسالة تتصل بمعادلات الصراع مع إسرائيل، وخطط واشنطن وتل أبيب حيال الجيش اللبناني والمقاومة. الفشل الذي أكّده المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، بحسب صحيفتي معاريف و«إسرائيل اليوم»، يكشف أن تل أبيب ما زالت تواصل مساعيها لمحاولة إرباك الساحة اللبنانية، بعدما استطاعت المقاومة أن تشكل سداً منيعاً في مواجهة خيارات العدوّ العسكرية. وليس أقل دلالة، ما كشفه دانون أيضاً، بعبارة موجزة، عن خلفية الرفض الأميركي للطرح الإسرائيلي، بالقول إن «واشنطن ترى في الجيش اللبناني هدفاً يمكن العمل معه»، في الوقت الذي سافر فيه رئيس وزراء العدو بنيامين تنياهو، إلى بروكسل في الثالث من الشهر الجاري، برفقة رئيس الموساد يوسي كوهين، ورئيس هيئة الأمن القومي مئير بن شابات، وسكرتيره العسكري، للقاء وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.

تكشف هذه المواقف والتقارير مساعي إسرائيل في مواجهة المقاومة، بهدف إخضاع لبنان وإسقاطه، من خارج الخيارات العسكرية المباشرة، الأمر الذي يدفع كيان العدو إلى اللجوء مرة أخرى إلى الولايات المتحدة من أجل مساعدته في هذا المسار، بعدما كانت إسرائيل الأداة المباشرة في تنفيذ السياسة الأميركية في لبنان.
الحقيقة المقابلة التي تكشفها مساعي تل أبيب على خطّي واشنطن والأمم المتحدة، من أجل فرض عقوبات على لبنان وجيشه، على أنها لو كانت قادرة على تكرار صيغة حصار قطاع غزة، على الأقل في المجالين الجوي والبحري، لكانت بادرت إلى ذلك منذ زمن بعيد. وبالتالي، إن انكفاءها عن هذا الخيار كان بفعل إدراك القيادة الإسرائيلية - التي تدرس على الدوام خياراتها العملانية في مواجهة لبنان - لردود فعل حزب الله وخياراته المضادة. وهي التي لم تترك باباً في عواصم القرار الدولي إلا وطرقته، ولم تترك هدفاً في لبنان إلا وناله نصيب من التهديد، من البنى التحتية، إلى الجيش اللبناني، إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، إلى المدن والقرى، والتهديد بتهجير السكان.
في المقابل، لمست إسرائيل أيضاً حقيقة أن خريطة التحالفات الداخلية للمقاومة وتكاملها مع الجيش، استطاعت تعطيل الكثير من المخططات الإسرائيلية، بأقل كلفة، وهي التي هدفت إلى استنزاف المقاومة وإشغالها في جبهتها الخلفية. وينبع تركيز تل أبيب على الجيش اللبناني، أيضاً، من افتقارها إلى أوراق داخلية فاعلة تؤدي الدور المأمول إسرائيلياً، في مواجهة المقاومة، وهو ما دفعها للتوجه إلى الولايات المتحدة لفرض عقوبات على الجيش، بهدف الضغط عليه وعلى الحكومة، ولإحداث انقسامات في الداخل اللبناني.
على هذه الخلفية، عمدت إسرائيل إلى محاولة «تجريم» الجيش اللبناني وإثبات تعاونه مع المقاومة - حزب الله، كما نصت التقارير الإعلامية الاسرائيلية. وفي موقف يعكس مستوى التحريض على الجيش ونشاطه العملاني، كشفت صحيفة معاريف، أيضاً، عن أن إسرائيل نقلت للولايات المتحدة شهادات وملفات استخباراتيّة حول ضباط لبنانيين، تزعم خلالها، أنهم «ينفّذون تماماً ما يطلبه حزب الله منهم»، وهو ما يشير إلى أن إحدى أهم العقبات أمام إسرائيل تكمن في التكامل بين الجيش والمقاومة.
مع ذلك، يعكس رفض الولايات المتحدة للطرح الإسرائيلي بخصوص الجيش اللبناني، كما أكد السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وجود تباين في التكتيك بين واشنطن وتل أبيب، رغم أن هدفهما واحد بخصوص إخضاع المقاومة وفرض الهيمنة الإسرائيلية والأميركية على لبنان. ولم يكن دانون يحتاج لشرح خلفية الرفض الأميركي واهدافه، سوى بضع كلمات نقلتهما صحيفتا معاريف و«إسرائيل اليوم» وغيرهما من وسائل الإعلام الإسرائيلية، بالقول إن واشنطن ترى في الجيش اللبناني «هدفاً يمكن العمل معه»، وهو ما يتقاطع مع ما عبّر عنه مصدر إسرائيلي سياسي رفيع المستوى قبل أيام بقوله إن هناك «علاقات عسكرية وثيقة تربط الولايات المتحدة بلبنان، ولا توجد أي مصلحة في الدفع والتسبب بتقويضها».
أما في انعكاسات هذا التباين على الموقف الإسرائيلي، فقد كان واضحاً أن هذا الفشل شكل صفعة جديدة للمخطط الإسرائيلي الذي يبدو أنه كان على نار حامية. هذه الصفعة برزت مؤشراتها في تلاقي التقدير الذي أوردته صحيفتا «إسرائيل اليوم» ومعاريف حول ذلك، إذ رأت الأخيرة أنّ «من الممكن أن يؤدي هذا الخلاف إلى الإضرار بالردع الإسرائيلي في مقابل حزب الله». وفي الإطار نفسه، وصفت صحيفة «إسرائيل اليوم» هذا التباين بأنه «صعب ومقلق»، وأنه هو الذي دفع نتنياهو إلى إجراء محادثات مستعجلة مع وزير الخارجية الأميركي في بروكسل.