عقب الخسارة الكبيرة التي مني بها حزب الكتائب خلال الانتخابات النيابية، وعد رئيس الحزب سامي الجميل أعضاء المكتب السياسي بمراجعة شاملة. سبعة أشهر مضت قبل أن يقتنع بعض الحزبيين أن «الشيخ» ليس في وارد التغيير أو المحاسبة، لكن جلّ ما يفعله هو المماطلة إلى حين فرض المؤتمر العام أمراً واقعاً كي يتخلص من «الأصوات الشاذة». ومن هذا «البعض»، خرج أمس 3 أعضاء في المكتب السياسي ليقدموا استقالاتهم.

كان يفترض أن يخطو «الكتائب» نقلة نوعية في مساره السياسي عقب صدور نتائج الانتخابات النيابية. هذا ما تعهد به سامي الجميل في الخلوة الحزبية التي عقدها بعد الانتخابات مباشرة حين تشكلت لجنتان: الأولى لتقصي الحقائق في مسألة الخلل الإداري الذي حصل، من ضمنه تواطؤ بعض القيادات المناطقية ضد مرشحي الحزب، ومحاسبة المسؤولين عن التسويق لفكرة التحالف مع المجتمع المدني التي انتهت بعزل للكتائب لنفسه. واللجنة الثانية كُلّفت بمهمة إعادة صياغة الخطاب السياسي وإجراء تغيير كامل في طريقة إدارة الملفات السياسية الملحة. سبعة أشهر مرّت مذاك من دون أن تترجم هذه الإجراءات أفعالاً، أكان بمساءلة المخطئين أم بالنفضة السياسية والإدارية... «حتى أن جهاز التحقيق لم يصدر تقريره حتى الساعة ولم يرفعه إلى المكتب السياسي»، يقول أحد الأعضاء. وغالباً ما كان يُترك السؤال عن نتائج التحقيقات في اجتماعات المكتب السياسي من دون جواب.
بدا واضحاً لبعض أعضاء المكتب السياسي ممن لا يبصمون للشيخ سامي بالعشرة على هفوات الحزب، أن الأخير ليس بوارد تغيير خطابه السياسي ولا المحاسبة. وما كان يفترض أن يكون خاتمة الأحزان بالنسبة للكتائبيين الخارجين من خسارة كبيرة، اتضح أنه البداية فقط. فنهار الاثنين الماضي، دخل رئيس الحزب إلى المكتب السياسي معلناً تقديم موعد المؤتمر الحزبي العام من حزيران إلى منتصف شباط. لماذا؟ «لأنه لا داعي لإضاعة الوقت في حين يمكننا اختصاره والذهاب إلى انتخابات حزبية». هكذا، وجد في تقريب موعد المؤتمر وسيلة للهروب من مساءلة نفسه والمسؤولين المحيطين به عما آلت إليه أوضاع الحزب. «الخطير هنا»، برأي حزبيين، أن المؤتمر سيكون بمثابة «إعادة تجديد للقيادة الحزبية نفسها من دون أخذ تقرير لجنة تقصي الحقائق بالاعتبار. وبالتالي ستتم عملية انبثاق السلطة بسلاسة تامّة لتأتي بمكتب سياسي من دون معارضين، تماماً كما يحلو لسامي وفريقه الضيق»، ما يعني «عودة إلى المسار السياسي نفسه والنتائج ذاتها». أما اقتراح البعض اعتماد الصوت الواحد للفرد الواحد في الانتخابات الحزبية، حتى تتسع مروحة التمثيل لتطاول بلدات الأطراف، فلاقى اعتراضاً كبيراً من قبل رئيس الحزب. الجميل هو نفسه الذي كان يصرخ ليلاً ونهاراً لتطبيق مشروع «الصوت الواحد» على نظام الانتخابات النيابية، يعارض تطبيق هذا النظام داخل حزبه.
هذه التراكمات شكلت صدمة للبعض، وتأكيداً من ناحية أخرى لخطة الشيخ المقبلة: «تجريد الحزب من أصحاب الرأي والوصول إلى حزب الشخص الواحد والرأي الواحد بلا حسيب أو رقيب. طالما أن قضاء المتن وحده كفيل بإنجاح من يريد في الانتخابات الداخلية لأنه يشكل نحو 50% من الهيئة الناخبة في ظل النظام الأكثري». هذا ما دفع أعضاء المكتب السياسي، أسعد عميرة وعبدالله ريشا وشادي معربس، إلى تقديم استقالاتهم من عضوية «المكتب». وقد تسلل الإحباط إلى بعض الأعضاء الآخرين الذين يدرسون خياراتهم في ظل القرار الذي اتخذه «الشيخ سامي». فالواضح لهم أن «ما ينطق به الرئيس على المنابر ليس سوى خطاب شعبوي يرفض تطبيقه في حزبه، تماماً كرفضه الاعتراف بالخطأ ومماطلته بنتائج التحقيق إلى حين عقد المؤتمر، لإزاحة الأصوات غير المؤيدة لطروحاته، حتى يتسنى له تشكيل حزب نموذجي كما يحلو له...».