عندما أنزل متحاربو الحرب الأهلية بنادقهم، رفعت دولة ما بعد الطائف راية إعادة الإعمار «البيضاء» وتوّجت إنجازاتها بمعلَمين: «سوليدير» ومطار بيروت الدولي… لا ثالث لهما سوى ذلّ الناس المستمرّ. إذلالهم مرّة في إخراجهم مرغمين من وسط البلد الذي استحال بؤرة باطون شبه فارغة من أبناء البلد أنفسهم. وإذلالهم مراراً لدى محاولة هروبهم طوعاً من «المزرعة» التي تتناتش فرصهم بحياة لائقة. لم تبقَ راية الإعمار بيضاء كما أريد تصويرها على مدى ثلاثة عقود، بل باتت تدمغ يومياً بذلّ الناس على مداخل المطار، وقبله على أبواب السفارات. هذا الهيكل الهشّ الذي يفاخر مشغّلوه بأنّه مطار «دوليّ»، هو في الحقيقة هيكل من «تنك» يرنّ عند أيّ ضربة «مقصودة»، ويتصدّع أمام كلّ أزمة مستجدّة أو «مفتعلة». إنه واجهة الجمهوريّة أمام القادم إليها، وآخر صورة ترافق المغادر منها. هو الاختزال الأول والأخير لبنية «جمهورية التنك» الفاسدة وللصورة التي تقدّمها لزائريها ومغادريها. فيه ترتفع الصرخة عند زيادة أعداد السيّاح، بدلاً من أن تكون «فأل خير»، كما أعداد الحجّاج، ومنه تتصاعد شكاوى المسافرين لدى استلام حقائبهم أو تأخّر وصولها لأياّم. الإذلال الذي تعرّض له المسافرون في المطار فجر أمس، ليس سوى تكثيف لما يصيبهم في حياتهم اليومية، في الدولة الفاشلة، التي لا تجيد سوى قهرهم وإبقائهم أسرى معارك وهمية حول «حقوق الطوائف» و«صلاحيات» رموزها. فالمطار، ليس أكثر من نقطة تقاطع للفساد السياسي والإداري والأمني، وللخصخصة المقنعة، والمحاصصة الفجّة، ولمخالفة القانون، ولسوء تقديم الخدمات. ما جرى في المطار ليس مستهجناً. المستهجن أن الزمن طال كثيراً قبل أن تظهر حقيقة درة تاج «جمهورية التنك».

على حين غفلة، استنفر أمس كلّ المعنيّين بأزمة مطار بيروت الدولي إثر «العطل التقني» الذي طرأ على الشبكة المعلوماتية لشركة «SITA» المشغلة لنظام الحقائب والركاب المغادرين. نتجت منه بلبلة استمرت بين الحادية عشرة من مساء الخميس وحتى الرابعة فجر الجمعة، أقلّ ما يقال فيها إنّها «فضيحة» كان يمكن تفاديها لو أن المعنيين أنفسهم يتبعون سياسة استدراك الأخطاء واستباق الكوارث… عوضاً من «الانتفاضة» غير المسبوقة في إصدار البيانات والاعتذارات منذ صباح أمس. ومع أن الحركة عادت صباح الجمعة إلى طبيعتها، بعد إصلاح الشركة للعطل، عقد في «سبيل الأزمة» اجتماعٌ في بيت الوسط دعا إليه رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري وحضره وزراء الأشغال والداخلية والمال ومسؤولون في المطار إضافة إلى رؤساء أجهزة أمنية. بينما كان التفتيش المركزي قد استدعى كلاًّ من رئيس مطار بيروت الدولي فادي الحسن والمدير العام للطيران المدني محمد شهاب الدين للتحقيق.
لا تنحصر أزمة المطار المتفاقمة بالعطل الطارئ على نظام «SITA» كما صوّرها أمس المسؤولون. حلّت الشركة «كبش محرقة»، على رغم مسؤوليتها عما حصل أمس تحديداً، لكنّ المسألة أبعد من تعطّل نظام معلوماتية لنحو أربعة ساعات. بات المطار هيكلاً لمجموعة أزمات تتقاعس الدولة في حلّها قبل وصول «البهدلة للركب»، كما تظهر الفيديوات والصور المحمّلة يومياً على مواقع التواصل من داخل المطار. والدولة هنا كلمة «مبهبطة» اعتاد اللبنانيون استخدامها بالمطلق… مديرية الطيران المدني، إدارة مطار بيروت، شركة طيران الشرق الأوسط، مجلس الإنماء والإعمار، «دار الهندسة»، وزارة الأشغال وغيرها تشملها عبارة «الدولة». أما توفير مبلغ ثمانين مليون دولار، لإجراء «النفضة» المرتقبة للمطار فيبدو حلاً بعيد المنال، أخذه الرئيس الحريري «على عاتقه» أمس، من دون أن ينتظر تأليف الحكومة الجديدة والحصول على موافقة مجلس الوزراء الجديد. هذا ما أفاد به وزير الأشغال العامة والنقل يوسف فنيانوس إثر اجتماع بيت الوسط أمس، مؤكداً أن «مبلغ الـ18 مليون دولار أقرّ في مجلس الوزراء، وقد صرف منذ 17 تموز»، لكنّ الأعمال تأجّلت إلى حين انخفاض ذروة الموسم الصيفيّ.
تصريح فنيانوس يتقاطع مع ما صرّح به رئيس المطار فادي الحسن لـ «الأخبار» أمس، إذ أكّد أن «وزير المال (علي حسن خليل) وقّع على مرسوم تأمين 18 مليون دولار لإعادة تأهيل المبنى الحالي للمطار». وإذ كلّفت دار الهندسة بصفتها الاستشارية وضع الخرائط وجداول الشروط وآليات التنظيم، فإن الدار «سلّمت ملفاتها الثلاثاء لمجلس الإنماء والإعمار وهو بدوره يتوجّب عليه تحويلها إلى شركة MEAS». وعليه يفترض أن تقوم الأخيرة باستدراج عروض لاختيار الشركة الأنسب، والردّ بشأنها على «الإنماء والإعمار». ويتوقّع الحسن «أن يبدأ العمل في شهر تشرين الثاني المقبل». التطابق بين حسابات الحقل والبيدر، وإن حصل، فإن الـ18 مليوناً، وهي خطوة الألف ميل، «ستؤدّي وفق الحسن إلى «تغيير وجه المطار، زيادة قدرته الاستيعابية لمليون راكب إضافي في السنة، ورفع الانسيابيّة في حركة دخول الركاب وخروجهم».
وعلى النقيض من توفير الدولة الأموال اللازمة لتحديث المطار لتوفير «البهدلة» التي لحقت بالناس وبما بقي من «صورة الدولة»، فإن ما حصل أمس في مطار بيروت تترتّب عنه نتائج لا تجدي «بيانات الاعتذار» في تفاديها، حيث أن الأضرار الماديّة يجب أن تتحمّلها جهة ما: شركة «SITA» كما أجمع المسؤولون. وكان صدر عن المديرية العامة للطيران المدني منتصف ليل الخميس بيان اعتذار «من جميع المسافرين» أوضحت فيه أن «عطلاً طرأ على شبكة الاتصالات التابعة لشركة SITA (...) مما أدّى إلى توقف كلي لعملية التسجيل وازدحام في قاعات المغادرة». وبينما كان الجميع بانتظار بيان الشركة الرسمي، حصل أمس اجتماع بين إدارتي الشركة والمطار «اعترفت خلاله الشركة بالخطأ وبتحمّل كامل المسؤوليّة لحصول تقصير في النظام البديل، المفترض أن يحلّ مكان نظام التشغيل الإلكتروني الذي طرأ عليه العطل». كما أن الاتفاقية المبرمة مع الشركة توجب عليها عند حصول أخطاء مماثلة التعويض على شركات الطيران الخاصة (بنود جزاء خاصة بالعقود بين شركات الطيران وشركة SITA)، وتالياً وبحسب نتيجة الاجتماع فإن شركات الطيران تقوم بالتعويض على الركاب وتنال بدورها التعويضات من SITA.
وبينما كان الجميع بانتظار بيان الشركة الرسمي، وجّهت «سيتا» في وقت متأخّر من ليل أمس كتاباً إلى المديرية العامة للطيران المدني قالت فيه: «أن خللاً ظهر في نظام أجهزة التوجيه المسؤولة عن البنية التحتية للاتصال الدولي» أوجب عليها «ترحيل جميع خطوط الاتصال الدولي إلى نظام جديد متطور بديل»، الأمر الذي كانت بصدد القيام به «في أول فرصة متاحة بعد انتهاء موسم الذروة في المطار». وطالبت «جميع المراجع التريث في إلقاء التهم وتحميل المسؤوليات قبل الانتهاء من التحقيقات». هذا البيان استدعى رداً من المديرية العامة للطيران المدني اعتبرت فيه أن «كتاب الشركة محاولة للتنصل من موجباتها نتيجة الأعطال (…) وأنها سوف تحيل الكتاب (اليوم) إلى المراجع القضائية المختصة لاتخاذ الإجراءات المناسبة».
شركة «SITA» المشغلة لنظام الحقائب والركاب المغادرين عبر المطار، هي شركة عالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات، كلّفها أولاً مجلس الإنماء والإعمار تشغيل النظام في المطار ثم أعادت تكليفها مديرية الطيران المدني بعد أن استملت إدارة المطار من المجلس. حينها استقدمت المديرية ثلاثة عروض من كبريات الشركات المماثلة في العالم بما فيها شركة «SITA» التي أعيد التلزيم إليها بعد دراسة الملفات. رسوّ التلزيم على الشركة نفسها جاء على أساس أنها تشبّك مع معظم خطوط الطيران. وقد أفاد أمس الوزير فنيانوس «بأنها تتعامل مع نحو 70 مطاراً في العالم».

العطل الإلكتروني تزامن مع عطل في نظام الاحتياط، وهو أمر تنخفض احتمالات حدوثه


وفي معلومات «الأخبار»، فإن العقد بين الدولة اللبنانية وشركة SITA يكون من حيث الشكل من خلال مديرية الطيران المدني، وفيه بنود جزائية متعلّقة بالظروف القاهرة وجودة الخدمات، لكن العقود الفعليّة لناحية جمع الأموال تعقد بين الشركة نفسها وشركات الطيران الخاصة. وإن لجوء الدولة إلى فسخ العقد مع SITA هو «أبغض الحلال» إذ يفترض تأمين شركة أخرى بديلة وإلاّ «يتوقّف عمل المطار»، وبدلاً من فسخ العقد فإن الدولة متّجهة إلى «الحصول على ضمانات من الشركة لتحسين نظام الحلول البديلة لديها تفادياً لأي أزمة لاحقة»، بما في ذلك التعويض على المتضرّرين من الأزمة الأخيرة.

العطل متعمّد؟
يؤكّد رئيس المطار فادي الحسن عبر «الأخبار» أن «المطار لا علاقة له بالعطل، إنما حدث عطل بالسيرفر (الشبكة الحاسوبية) التابعة لشركة SITA في بيروت والتابعة للشركة العالمية نفسها، وهي موصولة بشركة «أورنج» العالمية القابضة. والعطل حصل في الـ DCS (نظام مراقبة المغادرة) وهو نظام التحكّم الإلكتروني بتسجيل حقائب الركاب المغادرين». أدّى العطل إلى تأخر إصدار التذاكر إلكترونياً.
وفي معلومات لـ «الأخبار» فإن عطل السيستم الإلكتروني لدى SITA الخاص بتشغيل نظام حقائب المغادرين تزامن مع عطل في نظام السند الاحتياطي (Backup) التابع لها أيضاً، وهو أمر يستحيل أن يحصل وتنخفض احتمالات حدوثه لأن النظامين يفترض أن يعملا بشكل منفصل للغاية نفسها. احتمال أن يكون التعطيل جرى يدوياً «وارد»، لأن هذا النظام بالتحديد ليس موصولاً بالإنترنت ولا إمكانية لاختراقه وهنا تغيب فرضية «القرصنة». كما أن الحديث عن تعطّل نظام الاتصالات بين المطار والخارج بفعل عطل في شبكة الألياف الضوئية، تنفيه المصادر كون الاتصالات بقيت «شغّالة». وفي سياق تدارك العطل، فإن شركات الطيران التي لا تعتمد حصراً على النظام الإلكتروني والتي لديها نسخ من التذاكر، تمكّنت من إصدار نسخ ورقية لزبائنها وتسليمهم الحقائب يدوياً. لكنّ معظم شركات الطيران وبفعل اعتمادها على النظام الإلكتروني فقط، لم تتمكن من تسهيل أمور الركاب.

حزام الحقائب... «حزام ناسف»
أما التعطّل المستمر الذي يجري الحديث عنه في حزام تسليم الحقائب فلا علاقة لشركة SITA به، وهو مسؤولية محليّة للمطار تعود مهمّة صيانته لشركة MEAS (شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات) المملوكة من «شركة طيران الشرق الأوسط» (MEA). هذا الحزام لم يجرِ تغييره منذ العام 1998، العام الذي أنشئت فيه «MEAS»، واستلمت في آذار منه تشغيل وصيانة منشآت مطار رفيق الحريري الدولي. هذا العطل شكّل أزمة حقيقيّة في العام المنصرم، مما دفع بإدارة المطار إلى استقدام عمال إضافيين هذا العام لتفادي حصول ضغط أو تداخل في عملية تسليم الحقائب، إضافة إلى إعادة تنظيمها الرحلات. هذا التدبير منع تفاقم الأزمة هذا العام من دون أن يحلّها كليّاً. لكنه «استدرك» أزمة «كبيرة» تتهدّد المطار في الموسم الصيفي لوّحت بها تقارير عدة وصل بعضها إلى التنبيه من تعطّل تام للمطار في شهر آب الماضي. الفصل بين العطل التقني الذي طرأ فجر الجمعة، وبقية الأعطال مثل حزام الحقائب، أمرٌ يشدد عليه الحسن للقول: «إن SITA وحدها تتحمّل أزمة الجمعة». لكنّ أزمات المطار المتلاحقة «مربطها» في مكان آخر: تأمين اعتمادات بملايين الدولارات لتحديث المطار.