لا يكاد جمهور حركة أمل يلتقط أنفاسه في الأشهر الأخيرة. تتسارع الاختبارات الحركية منذ الانتخابات النيابية الأخيرة التي شهدت تراجعاً استثنائياً في الأرقام التي حصّلها مرشحو الحركة التي تضم على الورقة والقلم، أكثر من 60 ألف منتسب. يحاول البعض تدوير زوايا الأزمة لتخفيفها أو تلطيفها وصولاً إلى تبني البعض «نظرية المؤامرة» لتبرير الأزمة أو تصوير الحركة في خانة الاستهداف.

في أول مقاربة نقدية علنية لنتائج الانتخابات، توجه الرئيس نبيه بري يوم الجمعة الماضي في احتفال الأونيسكو إلى الحركيين بصفته قائداً لكشافة الرسالة التي تشكل البوابة الرئيسية للانتساب إلى «أمل»، قائلاً لهم: «مختلف التقارير عن النتائج (الانتخابية)، جعلني أفتقد أدوار جمعية الرسالة السابقة المميزة وجمهورها العريض الذي ظن أنها تخلت عنه، لأنه اعتقد أنها تخلت عن حضورها وأدوارها وبعض التزاماتها. إن تاريخ الجمعية وعديدها وإمكانياتها ومركزها وتنوع مهامها كان يجب أن يترك بصمة مميزة أكثر في الصناديق». حال دفع بري إلى إعلان حالة طوارئ تنظيمية «لإطلاق دينامية تنظيمية عبر بناء وحفظ هيكل الجمعية وإبعادها عن التجاذبات والحفاظ عليها مميزة باعتبارها خط الخط وأعدكم باعتماده في مؤتمركم العام المقبل».
لم يتوان بري عن تشخيص جزء من الأزمة. بدا واضحاً أن الأرقام التي حققها نواب الحركة الذين فازوا في الانتخابات خيّبت آماله، خصوصاً إذا تمت مقارنة الحاصل الانتخابي والأصوات التفضيلية التي نالوها. من يتحمل مسؤولية هذه النتائج؟.
يدرك الحركيون أن الحملة الإعلامية التي بدأت تطل من شوارع الجنوب والبقاع ومداخل المدن والقرى والبلدات الجنوبية والبقاعية لن تبدد واقع الاستياء العارم في القواعد الحركية، خصوصاً في ضوء الاتهامات التي تطاول بعض الرموز بعدم الثبات على عقيدة حركة المحرومين. لذا، لا يمكن فصل شعار ذكرى مهرجان الصدر لهذه السنة عن حال حركة أمل: «عقيدة وثبات»، وهو الشعار الذي يريد رئيس الحركة أن يحكم عمل المؤتمر العام المقبل، فضلاً عن الرغبة بالتجديد القيادي، بمعزل عن «الحرس القديم».
صحيح أن بري قرر طوعاً إبعاد أولاده عن التنظيم الحركي، في خطوة تناقض كل منطق التوريث السياسي السائد في معظم أحزاب لبنان التقليدية، لكنه أرجأ، في المقابل، خطوة تبديل قيادات الصف الأول، كما يقول مصدر حركي مسؤول من داخل التنظيم. «فالتجاذبات التي تحدث عنها رئيس الحركة داخل البيت الكشفي ليست أقل وطأة من التجاذبات داخل هيئة الرئاسة التي تمثل الرؤوس القيادية». يتحدث حركيون عن أن الخلافات والنكايات بين عدد من أعضاء القيادة، ارتدت سلباً على الجمهور الحركي، ومن هنا جاءت دعوة بري إلى محاسبة الذات بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين. «ثمة منافع ومصالح وامتيازات في غير موضعها وثمة تجميد لملفات عالقة وتهميش وإقصاء لفاعلين. بعض القيادة صمّ آذانه عما يطلبه الجمهور وعما تشكو منه القاعدة».

الأرقام التي حققها نواب الحركة في الانتخابات الأخيرة خيّبت آمال بري


في العام 2013، تعهد بري بالتغيير الجذري في الوجوه والمناصب وإخلاء الساحة للشباب. ما يحصل بعد خمس سنوات، تكرار باهت للوجوه نفسها. وفي الوقت الذي «ظن الجمهور أن كشافة الرسالة تخلت عن أدوارها»، كان بعض ذاك الجمهور يطالب بالمشاركة في القتال في سوريا أو حراسة البلدات الحدودية البقاعية في مواجهة المجموعات الإرهابية. طلب لم تتبناه «حركة المحرومين»، على رغم أن حماسة البعض بلغت حد المشاركة في الحرب السورية عن طريق تشكيلات حزب الله غير الحزبية (السرايا).
يعتبر البعض بأن الجسم القيادي الأساسي في حركة أمل لم يتعظ حتى الآن من صفعة الأرقام الانتخابية، فكان أن ارتكب خطيئة باخرة الزهراني. «هنا، تلقينا الصفعة الثانية من جمهورنا». أول من أمس، أعلن النائب علي بزي عن قيام وفد من نواب الحركة بزيارة رئيس مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك وانتزعوا منه تعهداً بتحسين تغذية منطقة النبطية والجنوب بالتيار الكهربائي. فعلياً، بدأ الأهالي يستشعرون بتحسن ساعات التغذية يومياً، في حين يعد بعض المسؤولين الحركيين بأن تصل التغذية في نهاية العام الحالي إلى حدود 18 إلى 20 ساعة يومياً!
في ظل هذا الجو المأزوم، انطلقت الاجتماعات التحضيرية للمؤتمر العام المقرر عقده في 28 أيلول المقبل. أول المؤشرات، دحض بري بنفسه كل الإشاعات التي تحدثت عن انتخاب نجله عبدالله، رئيساً للحركة أو تبوئه أي منصب قيادي، تحضيراً للمرحلة المقبلة. المقربون من بري الذي يتحدث تكراراً عن تعبه من المسؤوليات التنظيمية، أكدوا أن عبدالله بري ابتعد بأمر من والده على غرار ما فعل شقيقه الأصغر باسل. بحسب مصدر مواكب، من المنتظر أن تبدأ لجان العمل التنفيذية اجتماعاتها بعد إحياء ذكرى 31 آب. ينقل المقربون عن بري نيته إدخال تغيير فعلي يجد صداه في الجسم الحركي كله، ولعل البداية من هيئة الرئاسة (مؤلفة من رئيس الحركة ونائبه ورئيس الهيئة التنفيذية ورئيس المكتب السياسي ومقرر وعضوين). لكنها ليست «هيئة السبعة الكبار» يؤكد الحركيون المقربون من بري، معتبرين أنها صورة مصغرة عن حال الحركة. «التأثير الفعلي في هيئة الرئاسة، كما في التنظيم، محصور بشخصين اثنين بعد الرئيس، أولهما، معاونه السياسي (علي حسن خليل) وثانيهما، مستشاره أحمد بعلبكي».