مبتسماً، يتحدث رئيس هيئة أوجيرو عماد كريدية عن التلفيق المتعمّد والاستهداف لأوجيرو، وهو يدرك أن «الأخبار» تملك كل المستندات التي تدعم كل حرف كتب عن أوجيرو. مع ذلك، قرر الرجل أن لا يصاب باليأس. وهذه المرة لم يكتف بظهوره شخصياً، عبر قناة «أم تي في»، ليدحض كل الافتراءات التي تطاوله، بل استعان بمدير الموارد البشرية بسام جرادي ليدعمه في حملته ضد المتضررين «من استعادة دور أوجيرو في الاقتصاد اللبناني».

تحدث جرادي عن التعويضات المختلفة واحتساب المفعول الرجعي والدرجات الأربع التي أعطيت للموظفين تطبيقاً لسلسلة الرتب والرواتب، كأسباب لارتفاع الراتب في نهاية أيار 2018، وهذا صحيح (هذه العوامل لم تساهم في رفع رواتب كل الموظفين من دون استثناء، بل هنالك من تراجع راتبه بعد خفض عدد الساعات الإضافية في شكل استنسابي). لكن ما ليس صحيحاً هو قوله أن راتبه عن شهر أيار «يا دوب وصل للـ19 مليون ليرة». فالمستند الرسمي الصادر عن هيئة أوجيرو، وتحديداً عن قطاع الرواتب التابع لمديرية الموارد البشرية التي يديرها جرادي نفسه، بتاريخ 29 أيار 2018، يثبت أنه قبض 31 مليوناً و450 ألفاً و500 ليرة تماماً وليس 19 مليوناً.
وعليه، لا بد من سؤال جرادي عن سبب إخفائه للحقيقة عن الرأي العام، طالما أنه أراد أن يكون «شفافاً» على حد قوله؟ فهل يعقل أن يخرج على الناس ليوضح حقيقة راتبه من دون أن يعرف قيمة المبلغ المالي الذي دخل إلى حسابه المصرفي، وعلى رغم أن قطاع الرواتب يتبع له وهو الذي يحيل الرواتب إلى المديرية المالية وللمدير العام للموافقة وإعطاء أمر الدفع؟
أما بالنسبة لرئيس أوجيرو، الذي أعطى جرادي الإذن بالظهور إعلامياً، وقد ظهر معه في المقابلة نفسها، فهل يعلم أن الأخير أعطى أرقاماً خاطئة للرأي العام؟ وإن كان يعرف الرقم الصحيح، فكيف يتركه يكذب على الرأي العام؟ أما إن كان لا يعرف، على رغم أن الرواتب تحتاج إلى موافقته قبل صرفها، فهل ثمة من وقّع وأعطى الأمر بالصرف نيابة عنه؟
وإذا كان يحلو لكريدية تكرار الاتهام إلى «من كان يحلّ محل أوجيرو»، قاصداً طبعاً سلفه عبد المنعم يوسف، بالتآمر على مصلحة أوجيرو أو هدر المال العام في أوجيرو، فلماذا لم يتقدم بأي دعوى ضده، أو لماذا لم يكشف للرأي العام أي وثيقة تدينه، خصوصاً أن واجباته ومسؤولياته تفرض عليه أن ﻻ يكتفي باﻹشارة والتلميح الشفهي واﻹعلامي إلى المخالفات والفضائح التي اكتشفها أو يكتشفها، بل إن من واجبه توثيقها وتفنيدها وإعلام اﻷجهزة الرقابية المختصة والنيابات العامة في شأنها ﻹجراء اللازم ومعرفة المرتكبين والجناة واسترجاع المال المنهوب أو المهدور. وفي حال لم يفعل ذلك، فهذا يعني أمراً من اثنين، إما أنه يغطي على الفاسدين من دون الحرص على المال العام (للمناسبة سبق لوزير الاتصالات أن أصدر قراراً يحمل الرقم 499/1 تاريخ 25/10/2017 يتهم فيه كريدية بهدر المال العام)، وإما أنه يسعى إلى حرف اﻷنظار عما يفعله أو ليغطي فشله في إدارة الهيئة.
ثم ألم يكن كل المدراء الحاليين، من دون استثناء، يعملون مع يوسف أو كانوا موظفين تحت إمرته؟ ماذا يعني ذلك؟
ثمة احتمال من اثنين: إما أن عبد المنعم يوسف كان وحده مسبب الفساد وكان كل من حوله، وهم أنفسهم في مواقع المسؤولية مع كريدية حالياً، ساكتين عن هذا الفساد طيلة 11 سنة، وإما كانوا جميعاً، أي عبد المنعم يوسف وجميع هؤلاء المدراء وأعضاء مجلس الإدارة والمسؤولين، مشتركين في الفساد. وهذا يعني عملياً أن هذا الفساد ما زال متفشياً وموجوداً في أوجيرو، لأن الفاسدين ما زالوا موجودين، ما يعني أن كريدية يقول كلاماً هدفه دفع التهمة عنه، ولكن من الأنسب له في الإطلالة التلفزيونية المقبلة أن يشرح ماذا فعل بإرث يوسف وما هي أبرز ركائز خطته الإصلاحية النهضوية التبشيرية في القطاع الذي يدر ذهباً في لبنان؟