لم يحرِّم الدستور اللبناني في أي نصٍّ من نصوصه انعقاد مجلس النوّاب في جلسات تشريعيّة في ظل حكومة تصريف أعمال، بل إنّ انعقاد مثل هذه الجلسات لا يتعارض مع صلاحيّات سلطة أخرى، وتكون القاعدة الأولى الواجب استخراجها أنه لا حظر لانعقاد المجلس في جلسات تشريعيّة، ولا سيّما في حال تمادي فترة تصريف الأعمال زمنياً، وذلك في غياب النص أو المبادئ الدستورية المانعة.

إنّ القول بعدم دستورية وعدم قانونية جلسات مجلس النوّاب في ظل حكومة مستقيلة، يؤدّي إلى وضع عمل المجلس النيابي بقبضة الشخصية المكلَّفة تشكيل الحكومة الجديدة، وإلى وضعها رهناً بمشيئة تلك الشخصيّة والقوى السياسية المتحكمة بهذا التشكيل، أي إلى إمكانية تعطيل عمل السلطة التشريعيّة إلى أمد غير محدّد (دراسة للقاضي لبيب زوين تاريخ 04/10/2013)، علماً أن الرئيس المكلف نال شرعية التكليف من المجلس النيابي، بناءً على الاستشارات النيابية الملزمة.
فالمادة 69 من الدستور تنصُّ على أنه «عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة». هذه المادة أشارت إلى الانعقاد الحكمي والاستثنائي لمجلس النواب، دون أن تحدد طبيعة المهمة، أو بالتعبير الدستوري جدول أعمال هذا العقد الاستثنائي. وهذا ما أدى إلى حصول خلاف فقهي بحت حول طبيعة مهمة مجلس النواب في هذا العقد الاستثنائي.
انقسمت الآراء بين مؤيدٍ لممارسة مجلس النواب كافة صلاحياته في هذا العقد، وبين رافضٍ لذلك، معتبراً أن صلاحية المجلس تقتصر على منح الثقة للحكومة الجديدة. وانعكس هذا الاختلاف الفقهي على عمل مجلس النواب الذي لطالما تهيب ممارسة صلاحياته التشريعية في هذا العقد إلا في حال وجود ظروف ملحّة تستوجب التشريع.
إن الجلسات الفعلية التي عقدها مجلس النواب في الوقت الذي تُعَدّ فيه الحكومة مستقيلة، وإن كانت أعدادها قليلة، إلا أنه مع استمرار عقد هذه الجلسات وفي دوراتٍ مختلفة، أصبح من الجائز الحديث عن عرفٍ دستوري ملزم حول جواز انعقاد مجلس النواب في جلسات تشريعية عادية.
وهذا العرف متوافق مع النص الدستوري ومرتبط بمبدأ استمرارية الحياة الوطنية، ومنسجم مع مفهوم حكومة تصريف الأعمال التي هي إما استمرارية للحكومة ما بين تاريخ اعتبارها مستقيلة وما بين تاريخ صدور المرسوم باعتبارها مستقيلة، أو هي حكومة صدر مرسوم تأليفها، ولكن مباشرتها بالعمل معلَّقة على شرطٍ واقفٍ هو نيلها ثقة مجلس النواب، وفي كلتا الحالتين فإن الحكومة هي دستورية، ولكن إذا طالت فترة تصريف أعمال وتجاوزت المألوف ونيّة الدستور الذي شرّعها...، يصبح من الواجب إعلاء مبادئ استمرارية المؤسسات الدستورية، بل ويحق للحكومة ممارسة كافة صلاحياتها وفق اجتهاد مجلس شورى الدولة (م.ش. قرار رقم 137/2015-2016 تاريخ 1/12/2015 زينة بو مارون/ الدولة)، وما ذلك إلا لأن مصلحة الأمة كانت دائماً فوق الأحكام الدستورية، فالدستور ليس إلا عناوين لضبط نظام الحكم، وعندما لا يضبط تصبح الضرورة لاتخاذ إجراء ما بمثابة النص الدستوري نفسه» (أحمد زين - نصوص وأحكام دستورية تعطلها حكومة تصريف الأعمال؟- جريدة السفير تاريخ 21 آب 2009).
وتطبيقاً لهذه القاعدة، جاء المجلس الدستوري ليحكم بأن مبدأ استمرارية السلطات الدستورية منعاً لحدوث أي فراغ فيها، مبدأ ذو قيمة دستورية، ومن الحالات التي عددها المجلس، فرض دورة انعقاد استثنائية حكماً على مجلس النواب عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة (م.د. قرار رقم 1/2005 تاريخ: 6/8/2005). فالمجلس الدستوري ذاته ربط انعقاد مجلس النواب الحكمي لتغطية الفراغ الناجم عن كون الحكومة في حالة تصريف الأعمال. فكيف يغطِّي مجلس النواب الفراغ الحكومي؟ هل يغطيه بانتظار تأليف الحكومة ليعطيها الثقة فقط، وما العمل إذا طالت أزمة التأليف أشهراً عدة؟
ولو أراد المشترع تضييق صلاحيات المجلس النيابي وحصرها في موضوع التصويت على الثقة بالحكومة الجديدة فقط، لكان نص على ذلك صراحة كما فعل مثلاً في المادة 77 من الدستور التي تمنع على مجلس النواب تقديم اقتراح لتعديل الدستور في عقد استثنائي، أو في المادة 84 التي تمنع على المجلس خلال مناقشة الموازنة ومشاريع الاعتمادات الإضافية أو الاستثنائية أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه (من الحكومة) في مشروع الموازنة أو في مشروع الاعتمادات المذكورة.
بناءً عليه، لا يجوز تضييق صلاحيات مجلس النواب الذي هو «سلطة سيادية وأصيلة ومطلقة لا تحدّها سوى الحدود المنصوص عليها في الدستور إلا بنص صريح وجازم (وليد عبلا ــ مجلس النواب يحتفظ بصلاحيته التشريعية لدى انعقاده في دورة استثنائية وانعقاده في ظل حكومة مستقيلة هو اجتماع دستوري – جريدة النهار تاريخ 26 تموز 2005).
ومن المفيد التذكير بأنه بتاريخ 3 أيار 1988، طلب رئيس مجلس النواب رأي الفقيه الدستوري الدكتور إدمون رباط في ما إذا كان يتوقَّف التشريع في ظلِّ حكومة مستقيلة، فكان جواب الأخير أن المجلس النيابي، منذ فترةٍ طويلة، قد سار على عقد جلساتٍ تشريعية في ظلِّ حكومةٍ مستقيلة... ولأن السلطة التشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية بقدر ما تسمح لها الظروف السياسية، وإذا كانت السلطة التنفيذية في حالة من الشلل والانقسام فلا تؤلِّف هذه الحالة ولا يجوز أن تؤلِّف عائقاً أو عذراً لكي تسير السلطة التشريعية على منوالها. فما دامت السلطة التشريعية قادرة على ممارسة وظائفها الدستورية، وبخاصةٍ في حقل التشريع (هل يتوقف التشريع في ظلِّ حكومة مستقيلة ــ مجلة الحياة النيابية المجلد 57/ كانون الأول 2005 ص 183).
كذلك أفتت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل بصحة التشريع في ظلِّ حكومةٍ مستقلية، بموجب الرأي الصادر بتاريخ 7 تموز 2005 وجاء فيه: «المبدأ المتعارف عليه، الذي يحكم تصريف الأعمال وبمقتضاه لا مفرّ من وجود سلطة مناط بها تأمين استمرارية وديمومة الحياة الوطنية بين تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة، وأن هذا المبدأ العام الاجتهادي الذي جرى تكريسه كتابةً بنص دستوري في لبنان هو المادة 69 دستور، فالمجلس النيابي ــ بمجرد انعقاده ــ يكون متمتعاً بصلاحياته كاملة، غير منقوصة، ويبقى محتفظاً بكامل صلاحياته للتشريع بمجرد انعقاده حكماً بصورة استثنائية عند اعتبار الحكومة مستقيلة، وذلك سدّاً لأي فراغ» (هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل استشارة رقم 478/2005 تاريخ 7/7/2005).
كذلك إن الهيئة الوطنية لحماية الدستور والقانون، بموجب الرأي رقم 1/2013 تاريخ 19/11/2013 أفتت بأنه لا يجوز أن تنسحب حالة تصريف الأعمال على مجلس النواب الذي ناط به الدستور السلطة المشترعة، فهذا أمر فيه كل التطاول على سلطة التشريع للأسباب الآتية:
1- لا يمكن شلّ سلطة دستورية عن العمل بحجة أن سلطة دستورية أخرى لا تعمل بولاية كاملة وفقاً لأحكام الدستور.
2- إن المادة 31 من الدستور تعتبر كل اجتماع يعقده مجلس النواب في غير المواعيد القانونية باطلاً حكماً ومخالفاً للقانون، ما يعني أن اجتماع المجلس في العقود الاستثنائية الحكمية هو اجتماع قانوني بمفهوم الدستور.
3- إن اختصار دورة الانعقاد الاستثنائية والحكمية المنصوص عنها في الفقرة 3 من المادة 69 من الدستور على تأهب المجلس، في حال لم يكن في دورة انعقاد عادية، للمشاورات النيابية التي يجريها رئيس الحكومة المكلف أو لجلسة البيان الوزاري للحكومة الجديدة لمنح الثقة أو حجبها، لا يتوافق هذا الاختصار وشمولية النص الذي لم يذكر أي شرط أو تقييد أو استثناء لاختصاص مجلس النواب التشريعي المناط به حصراً.
4- أن يُعطى رئيس الحكومة المكلف بالمطلق، الذي تقتصر حيثيته الدستورية على إجراء الاستشارات النيابية لتأليف الحكومة، سلطة فعلية تتجاوز هذه الحيثيات إلى أسر السلطة الإجرائية عن طريق إدامة حالة تصريف الأعمال، ومجلس النواب أيضاً عن طريق إنكار سلطته التشريعية في العقود العادية أو الاستثنائية الحكمية، هو تجاوز لاتفاق الطائف من حيث إنه ميثاق عيش مشترك ومشاركة فعلية بين مكونات الشعب اللبناني في صناعة القرار الوطني.
أما لناحية إصدار القوانين، فيرى النائب غسان مخيبر في دراسة تاريخ 8 حزيران 2011 أن توقيع رئيس الحكومة على مرسوم إصدار القانون إجراء روتيني وعادي وإعلاني، يدخل بالتالي، في مطلق الأحوال، في صلب مهمته في تصريف الأعمال، حيث نصت المادة 56 من الدستور على أن رئيس الجمهورية هو من يصدر القوانين، وذلك وفق المهل المحددة في الدستور بعد أن يكون قد وافق عليها مجلس النواب. إن صلاحيات رئيس الجمهورية الذاتية تبقى مكتملةً بالرغم من استقالة الحكومة، ويظل متولياً مهماته كاملةً من غير تفريق بين حكومة بصلاحيات عادية أو حكومة بحالة تصريف أعمال.
وإذا كان قد سبق للمجلس الدستوري أن قضى بأن توقيع مرسوم إصدار القوانين لا يدخل في المفهوم الضيق لتصريف الأعمال، لأنه «عمل إنشائي بامتياز وغير إجرائي» (القرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 بشأن الطعن بقانون تمديد ولاية مجلس النواب)، لكن المجلس الدستوري عاد لاحقاً عن اجتهاده المذكور وأهمل الطعن المبني على كون القانون المطعون فيه موقّعاً من رئيس حكومة مستقيلة (القرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 بشأن الطعن بقانون تمديد ولاية مجلس النواب).
* أستاذ مادة القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية