لم يجرؤ وزير عدل في تاريخ الجمهورية اللبنانية على مخاطبة القضاة باللهجة التي يستخدمها سليم جريصاتي. «ممنوع تحكوا». بلغة الأمر والفوقية الفظّة غير المسبوقة، يخاطب وزير «الوصاية» وممثل السلطة التنفيذية، كل السلطة القضائية.

هذا ما ارتكبه وزير العدل، أمس، عندما عمّم عبر «الوكالة الوطنية للإعلام» أمراً للقضاة يُجبرهم فيه على الاستحصال على إذنٍ خطي من «معاليه» قبل الإدلاء بتصريحات صحافية أو مغادرتهم الأراضي اللبنانية.
في التواصل مع الإعلام، فرض جريصاتي على القضاة الحصول على إذن خطي منه، فيما طلب «تقديم أذونات المغادرة (السفر) بالتسلسل الإداري، بحيث تصل إلى الوحدة الإدارية المختصة في هذه الوزارة قبل عشرة أيام من تاريخ السفر». ذكّر الوزير المحامي أهل القضاء بالنصوص القانونية التي تفرض عليهم الحصول على إذن منه بوصفه الرئيس الإداري للسلك القضائي وبوصفهم يخضعون لقانون الموظفين. ماذا يُريد وزير العدل هذا؟ هل يُريد تصديق المثل الشعبي القائل: «يا رايح كتّر من القبايح»، وهو الذي يُصرّف الأعمال في حكومة باتت أوقاتها محسوبة، إلا إذا كان يملك من المعطيات ما يشي بأن تصريف الأعمال «سيدوم ويدوم طويلاً». ثم إن كان أعدل وزراء العدل في تاريخ الجمهورية حريصاً على الانتظام العام، فلماذا يلجأ إلى الإعلام لنشر تعميمه الموجه إلى القضاة؟ لماذا لا يكتفي بالتعميم الداخلي؟ هل يريد إحراجهم أم يريد لفت انتباههم بقوله لهم : «أنا هنا»، علماً أنّ أحداً ممن سبقوه، إلى المنصب ذاته، لم ينشر شيئاً من مراسلاته إلى مجلس القضاء الأعلى. ألا يُعدّ ذلك مسّاً باستقلالية السلطة القضائية التي تنص عليها المادة ٢٠ من الدستور؟
أما أبرز ما استوقف القضاة في «تعميم جريصاتي»، فهي الجملة الأخيرة: «إن هذا التعميم يعني كل القضاة من دون تمييز حين لا يميز النص». وهذا ما يؤكد أنّ جريصاتي لم يكن بريئاً في التعميم. إذ من الطبيعي أن يسري التعميم على كافة القضاة، إلا أنّ تأكيده لا يعني سوى «توجيه رسالة خاصة»، ولا سيما أنّ خطوة وزير العدل تأتي بعد إقدام قاضيين على التصريح لوسائل الإعلام. الأول، هو النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود الذي تحدث لـ «الأخبار»، يوم الاثنين الماضي عن ملاحقة ثلاثة قضاة جزائياً. أما الثاني، فهو القاضي نديم غزال الذي أصدر بياناً يدافع فيه عن نفسه. السؤال هنا، إلى أيهما يقول وزير العدل: «اصمت».
في هذا السياق، سألت «الأخبار» النائب العام التمييزي السابق القاضي حاتم ماضي عن رأيه بالتعميم، فقال: «صحيح أنّ القانون يجيز لجريصاتي الطلب إلى القضاة الحصول على إذنه قبل التصريح للإعلام أو السفر، لكن اللياقات والعُرف والعادة جرت على أن تصدر هذه التعاميم عن مجلس القضاء». ويرى ماضي أنّ «هذه التعاميم غير لائقة بحق القضاة». أما مسألة التشديد على أنّ هذا التعميم يسري على جميع القضاة، فيردّ ماضي بالقول: «النائب العام التمييزي لا يمكن أن تعامله مثل أي قاضٍ. هو رأس النيابة العامة، وله صلاحيات تكاد تكون مطلقة».
تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس القضاء الأعلى انتفض مرة يتيمة في وجه وزير العدل يوم خاطبه بطريقة مسيئة، فردّ عليه بأسلوبٍ قاسٍ. منذ ذلك الحين، لم يُحرّك مجلس القضاء الأعلى ساكناً... ويبدو أن هناك من جهّز العذر، مسبقاً، لجريصاتي، في «العدلية».