قبل نحو سنة، قصد المواطن محمد جميل رعد مكتب السجل العدلي في بعلبك للاستحصال على سجل عدلي، ليتبين ان بحقه مذكرة توقيف نتيجة عدم دفع مخالفة مرور بقيمة 50 قرشاً من ستينيات القرن الماضي. هذه ليست نكتة، بل تعكس جزءا من واقع تعيشه بلاد بعلبك ــــ الهرمل في يومياتها الصعبة.

حالة رعد ليست فريدة من نوعها في بعلبك الهرمل، إذ أن هناك 8000 مذكرة توقيف مشابهة لا يحتاج إسقاطها إلى عفو عام، ولا الى مرسوم، بل فقط الى عملية «ترقين» (شطب المخالفة) يقوم بها موظف إداري، وظيفته العمل على «ترقين» مذكرات التوقيف المماثلة كي تعتبر ساقطة حكماً.
رواية ثانية من واقع بعلبك الأليم تقول إن مواطنا اتصل بالقوى الامنية يشكو اليها وقوع حادث امني يعرّض حياته وعائلته للخطر، إلا أن المخفر المعني لم يُحرَك ساكنا، وحينما عاود المواطن نفسه إبلاغ عامل الإتصال في المخفر نفسه عن شخص يُدخل كيس ترابة إلى شقته المحاذية لمنزله، سارع المخفر بضابطه وعناصره جميعاً إلى المكان قبل أن يكتشفوا أن الإبلاغ مجرد إختبار لهم!

مسلسل الفدية المالية

أفادت «الوكالة الوطنية للاعلام» أن ثلاثة أشخاص هم (ف. ع.) و(م. ع.) و(م. م.)، كانوا قد خطفوا في وقت سابق من منطقة عدوس في قضاء بعلبك تم الإفراج عنهم في بعلبك عند الساعة السابعة والربع من مساء امس، «بعد دفع فدية مالية».


كثيرة هي الروايات المشابهة التي يرددها اهالي بعلبك ــــ الهرمل للاشارة الى حجم مأساتهم نتيجة عشرات الاف مذكرات التوقيف ووثائق الإتصال وكتب المعلومات الصادرة بحق عدد كبير من أولادهم (يجري الحديث عن 30 إلى 50 ألف مذكرة أو وثيقة إتصال) على خلفية قضايا تتراوح بين الارتكابات الجنائية مروراً بزراعة الحشيش وصولا الى أبسط المخالفات.
في موسم الإنتخابات، تأمل الأهالي خيراً بوعود القوى السياسية المتعلقة بصدور قانون للعفو بحق ابنائهم ممن لم يرتكبوا جرائم جنائية كبرى. لكن ما يتناهى الى مسامعهم في هذه الايام، لا سيما مع ارتفاع حرارة الملف الامني، لا يحملهم على التفاؤل لا سيما لجهة تسييس الملف و«تطييفه» (6 و6 مكرر)، لا بل ربط الملف بحالة آلاف العملاء من جيش أنطوان لحد ممن فروا مع أُسرهم إلى فلسطين المحتلة عشية التحرير في العام ألفين.
الحديث عن قانون العفو عمره سنوات. لكن، ما قبل الانتخابات النيابية بشهر تقريبا، تجدد مع البشرى التي زفّها احد السياسيين للاهالي بـ«عفو قريب»، على اساس ان يتم النظر بملفات الموقوفين ممن لم يتورطوا بالدم من العملاء او الارهابيين او تجار المخدرات.
وعند تبلغ أحد القادة الامنيين بذلك، سارع الى القول: «فتحت الدولة على حالها مدبرة»، قاصدا بذلك استحالة العفو مع وجود عدد لا يستهان به من الموقوفين في روميه على خلفية عمليات ارهابية، فضلا عن وجود ملفات لعملاء لم تسقط بمرور الزمن، فضلاً عن تراكم الملفات في المحاكم وعشوائية تحويلها سواء كانت مختصة بالقضية المحالة اليها او غير مختصة، وإكتظاظ السجون بالموقوفين.
في هذا السياق، عيّن رئيس الحكومة سعد الحريري أحد القضاة لمتابعة الموضوع، فيما تولى مكتب رئيس الحكومة مع مكتب الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس درس ملف الموقوفين الإسلاميين (كل حالة على حدة)، لكن النتيجة هي وضع هذا الملف في الأدراج.
يقول أحد المعنيين سياسياً بملف المطلوبين إن الأمر يحتاج إلى قرار سياسي يصدر بعده قانون عفو «مدروس»، ربما يشمل نحو 75 في المئة من المطلوبين وتبقى نسبة 25 في المئة ممن يمس العفو عنهم هيبة الدولة وصورتها، ومعظمهم من أصحاب القضايا الجنائية (إرهاب وقتل متعمد إلخ).
لسان حال الأهالي أنه بمقدورهم إلزام أبنائهم بمندرجات العفو «وفي حال كرروا مخالفة القانون، على الدولة أن تعاقبهم بأقسى مما حكمت عليهم سابقاً» يقول احد فعاليات بعلبك، شاكياً إزدياد مذكرات التوقيف الغيابية يوميا من دون تنفيذها، ليتحول المطلوبون الى خارجين عن القانون ولو أن القضايا المطلوبين فيها لا تتعدى الجنح البسيطة. ويضيف «لا حل لمشاكل المنطقة الا بالعفو العام ودعوة المطلوبين إلى تسليم أنفسهم طوعاً بناء على قانون العفو، وعلى الدولة ان تحسم امرها، فاما تعفو عن المطلوبين او تسجنهم مع ما يترتب على ذلك من مشاكل هي بغنى عنها».
يذكر احد وجهاء المنطقة ان المطلوب نوح زعيتر الصادرة بحقه بحو 1700 مذكرة توقيف لم يعد يهتم بها، بل بات يتباهى بعددها، علماً أنه ليس اخطر المطلوبين، فهناك اسماء اخرى امثال (ع. م) و(ع. إ).
ولعل المفارقة المضحكة ان المطلوبين صاروا يرعون عمليات صلح عندما تنشب خلافات بين العشائر، تماما كما حصل يوم اختلف آل طليس وال ياغي وكانت الصلحة بينهما برعاية نوح زعيتر، في احتفالية حضرها مئات الاشخاص ممن وزعت عليهم دعوات مسبقة للمناسبة، وكاد الأمر يحظى برعاية سياسية وأمنية رسمية!

خطة أمنية لمنطقة بعلبك لم تحدد ساعتها الصفر... ووافق عليها حزب الله


نموذج «الرعاية» له وجه آخر. يروي أحد وجهاء المنطقة أن بعض العناصر الامنية تبلغ مطلوبين قبل مداهمتهم لحثهم على الهرب، او أنهم يطلبون من أحد الملاحقين بتجارة الحشيش أو تصنيعه، تسليم مخفر المنطقة بضعة أنفار من رجاله على سبل التمويه ليس إلا. ويروي احد تجار المخدرات انه يدفع الى الاجهزة الامنية مبلغ 15 الف دولار مقابل حماية ازلامه في مناطق عملهم خارج منطقة بعلبك.
وعلمت «الأخبار» ان الجيش اللبناني بصدد التحضير لخطة امنية ستنفذ في بعلبك من غير أن تحدد ساعتها الصفر حتى الآن. وتقضي الخطة بأن تعمد القوة الامنية الى تنفيذ عملية اطباق امني تمنع المطلوبين من الفرار خارج المنطقة، وتحديداً بإتجاه الأراضي السورية، وحسب المعلومات، أعطى حزب الله الاجهزة الامنية الضوء الاخضر لتنفيذ العملية وطلب من جميع قياداته السياسية والأمنية في البقاع عدم مراجعة الجيش في اي مطلوب يتم توقيفه أو خطوة يزمع تنفيذها.