ربحت «استوديو فيزيون» الجولة الأولى في قضية الاتصالات غير الشرعية المرفوعة ضدها من قبل الدولة اللبنانية. وخلص القاضي منصور القاعي في حكمه، الصادر أمس، إلى إبطال التعقبات بحق الشركة التي كانت تواجه ادعاء الدولة (ممثلة بهيئة القضايا في وزارة العدل وبالنيابة العامة المالية التي ادعت على الشركة ومالكها ميشال غبريال المر) بهدر المال العام والتعدّي على شبكات الهاتف لأنه «لم يثبت بشكل غير قابل للشك ما يؤكد حصول أي جرم».


سنة ونصف سنة مرّت على ادعاء النيابة العامة المالية على شركة «استوديو فيزيون»، تعاقب خلالها وزيران على وزارة الاتصالات. في عهد الأول، أي الوزير بطرس حرب، كانت التقديرات بأن قيمة الهدر تصل إلى 60 مليون دولار، لكن في عهد الثاني، أي الوزير الحالي جمال الجراح، انخفضت قيمة هذا الهدر ما يقارب 95 في المئة دفعة واحدة، مقتصرة على 3.2 ملايين دولار، قبل أن يخلص الحكم إلى صفر هدر!
وإضافة إلى صدور قرار «البراءة» لغياب الدليل، ارتأى القاعي أنه لا جدوى من تنفيذ طلب الادعاء تكليف الجهة المدعى عليها بيان أرقام الأجراء لديها الذين تحولت الاتصالات عبرهم حين أوقفت «أوجيرو» خطوط هواتف الشركة. كذلك ردّ طلب الاستعانة بالخبرة الفنية المقدم من المدعى عليها.


لم يثبت بشكل
غير قابل للشك ما يؤكد حصول أي جرم


نقطة القوة التي اعتمد عليها القرار كانت عدم قدرة المدعي على إثبات جرم هدر المال العام، نتيجة «خطأ» مجهول السبب، أدى إلى توقيف الخط موضوع الملاحقة من قبل «أوجيرو»، بدلاً من مداهمة مقر الشركة من أجل كشف عمليات التخابر غير الشرعي وضبط المعدات التي سيستعملها المخالفون، خاصة أنه بحسب إفادات الموظفين في أوجيرو، مصطفى أمين وطوني حنا، فإن كل العمليات المشابهة التي كشفت، ضبطت فيها معدات تستعمل للقيام بالتخابر غير الشرعي، في حين أن طلب توقيف الخط أفقد الإدارة المعنية عنصر المباغتة، وبالتالي إمكانية ضبط الفاعل بالجرم المشهود.
وإذا كان محامي «استوديو فيزيون»، النائب السابق لرئيس مجلس النواب، إيلي الفرزلي، قد وجد في ذلك قراراً مسبقاً بالاستفادة من القضية إعلامياً للتشهير بموكله، معتبراً أن المداهمة كانت ستقفل الملف، فإن محامي الدولة مصطفى قبلان، أكد أن انخفاض عدد الاتصالات بنحو كبير بعد اليومين اللذين أوقف فيهما خط E1 رقم 04526000 المشكوك في استعماله لإجراء مكالمات هاتفية غير قانونية (من 5000 مكالمة في اليوم إلى 120 مكالمة)، يثبت جلياً أن اتهام الشركة لم يأتِ من فراغ، علماً أن قبلان كان يعوِّل على استدعاء عدد من الموظفين الذين أفاد ممثلو «استوديو فيزيون» بأن الاتصالات حوّلت إلى أرقامهم، إلا أنه لم يُبَت بالطلب سابقاً بحجة حماية خصوصية هؤلاء الموظفين.
أما الفرزلي، فقد برر العدد الضخم للاتصالات بحاجة تلفزيون «أم تي في» في حينها إلى الاستعانة بشركات إحصاء لمواجهة الأرقام التي تصدر عن إحدى الشركات وتعطي الأفضلية لتلفزيون منافس، وهو ما تحقق عبر استعانتها بثلاث شركات إحصاء، كان موظفوها يحضرون إلى مقر الشركة لإجراء إحصاءاتهم. لكن ذلك لم يبرر، بحسب وجهة نظر الادعاء، إجراء اتصالات طوال الليل والنهار، وكذلك تركيز نسبة كبيرة من الاتصالات الواردة على جهات محددة، كأحد المستشفيات الكبرى، الذي تلقى في العامين 2014 و2015 نحو 8000 اتصال من الرقم نفسه، أي ما يزيد على 10 اتصالات يومياً، أو ورود ستة اتصالات يومياً إلى سفارة أوروبية، و17 اتصالاً يومياً لشركة تعنى بالعلاجات البديلة.
وللتذكير، فقد جاء في الملف المقدم من وزير الاتصالات السابق إلى مجلس الوزراء في 27 تموز 2016، أن الشركة كانت تعمل، من خلال الخط المذكور، على استقبال مكالمات دولية بطرق غير شرعية، ومن ثم تحويلها إلى المشتركين اللبنانيين (refiling) عبر مقسمات عائدة إلى الشركة المذكورة، مشيراً إلى أن هذه المكالمات تصل إلى نحو 45 في المئة من مجمل عدد المشتركين في الشبكة الثابتة.
كل ذلك لا يلغي أن الحكم في المرحلة الأولى من التقاضي صار أمراً واقعاً، وعليه، فإن محامي الدولة أبلغ «الأخبار» أنه سيعمد إلى استئناف القرار، مرتاحاً إلى أن القضية ستنتقل إلى أيدي ثلاثة قضاة معاً، وهو ما يرحب به الفرزلي أيضاً، معتبراً أنها فرصة للمرافعة مجدداً في قضية واضحة المعالم.
وفي السياق نفسه، ينبّه النائب نقولا فتوش إلى وجوب عدم الاكتفاء باستئناف الدولة ممثلة بهيئة القضايا في وزارة العدل، لأن استئنافها وحدها يسقط الحق بالملاحقة الجزائية، ويجعل الأمر مقتصراً على التعويضات المخفّضة أصلاً. ويوضح أنه خلافاً لاعتقاد البعض، لا يحق للدولة الاستئناف في الشق الجزائي من الدعوى، لذلك يجب على النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان أن تستأنف الحكم بدورها لإعادة النظر بالجرم الجزائي، حتى لا يصبح القرار نافذاً مع انتهاء مهلة الأيام العشرة المخصصة للاستئناف. أما رئيس لجنة الاتصالات النائب حسن فضل الله، فقد اكتفى بالقول، بعد جلسة اللجنة أمس: «لن أطلق حكماً مسبقاً على التخابر غير الشرعي، فالملف لدى القضاء، ويوجد استئناف من جهتين هما هيئة القضايا والمدعي العام المالي». وقال: «إذا برأ القضاء الجهة المتهمة بالتخابر الدولي غير الشرعي، فلا موقف سياسياً لدينا».