إسرائيل وحش مدجّج بالسلاح. إنها مزيج متفجر من الأسطورة البائدة والترسانة الحديثة الفتاكة والاندفاعات الغرائزية الإجرامية. إنها بلد يحاول تفريغ رعب وجودي تاريخي لعله يشفى منه. تركض إسرائيل وراء كارثة الحرب العالمية الثانية، معتبرة أنها لن تستوي عند الحدود العادية إلا بعد أن تستدرك ما حصل وقد تتجاوزه.

يحتاج هذا الوحش إلى علاج. إلى تدجين. لا تنفع معه محاولات الطمأنة. على العكس. كلما استشعر قوة أوغل في البحث عن شفائه في شقاء الآخرين. إنه، اليوم، في ذروة القوة والطمأنينة. لذلك، وأكثر من سبب آخر، يبدو في ذروة الشبق إلى التدمير.
يحتاج المرء إلى معرفة بدقائق النفس البشرية حتى يدرك كيف أمكن مسؤولاً إسرائيلياً أن يعطي أمراً بقصف قانا. تتجاوز الفعلة حدود الإدراك، ولا ينفع معها فهم العصاب القاتل ولا تلك القدرة الاستثنائية في مرضيتها التي تحاول القفز فوق المذبحة.
الأطفال الذين استشهدوا في قانا بعضهم لم يكن قد ولد، قبل عشر سنوات، عندما قضى أقرانهم. فقط شمعون بيريز زاد عقداً على عمره، فعاد إلى المسرح مستكشفاً، يريد أن يبرأ من المئة قتيل السابقين بعشرات القتلى اللاحقين.
إسرائيل وحش مسلح ومريض. غير أننا لن نفهم انفلاته من دون الرعاية الأميركية المباشرة، لا بل من دون المشاركة الأميركية المباشرة. فعندما يصف عزمي بشارة الرئيس الأميركي جورج بوش بـ«المعتوه» يكون يقرر أمراً واقعاً. كان يمكنه أن يضيف أن الأميركي نفسه يقف على رأس أقوى قوة عرفتها البشرية منذ نشأتها.
قبل ساعات من مجزرة قانا الثانية قال بوش في حديث إذاعي: «يجب أن ندرك أن لبنان هو أحدث نقطة ساخنة في صراع أوسع في أنحاء المنطقة بين الحرية والإرهاب». لم تمض لحظات حتى كانت «الحرية» تنقضّ على «الإرهاب» تجاوباً مع دعوة الرئيس الأميركي، وحتى كانت وزيرة خارجيته تستعد لتحوم مثل الغراب فوق الجثث المتناثرة في لبنان.
هل يرتدّ الدم على من يسفحه ويبرّره؟ السؤال في عهدة العالم «الذي يزداد أمناً» يوماً بعد يوم، ويزداد تقدماً نحو الحرية والديموقراطية كلما فتحت الولايات المتحدة بلداً. إنه امتحان اللحظة. إن تكبيل يدي الوحش المسلح واجب أخلاقي كوني.
الرد الإسرائيلي الأول هو «أننا ماضون في الحرب». الرد الثاني بدءاً من اليوم، هو «أن العالم يكرهنا أصلاً» وذلك في تنويع على مقولة شهيرة تقول: «ليس مهماً ما يفكره الغوييم بنا». والرد الثالث، الجاهز منذ أيام، هو «اننا لا نفعل سوى ما فعلته الولايات المتحدة بعد 11 أيلول، ولسنا سوى أداة العالم المتحضر المستنفر لحاربة البربرية، فما معنى التخلي عنا في هذه اللحظة الحرجة؟».
أدّت مجزرة قانا الأولى في 96 إلى وقف النار و«تفاهم نيسان». أما اليوم فإن استمرار إطلاق النار بعد مجزرة قانا الثانية يوحي أن المواجهة ستتجه نحو الأقاصي، نحو الجذرية التي لا قعر لها. إنها مواجهة يمكن ألا يخسرها لبنان إذا نجحت قواه الحية في أن تحتفظ بالجسور في ما بينها، وإذا نجحت حكومته في الثبات على موقفها حيال الولايات المتحدة أولاً وقبل أي أمر آخر.

30 تموز 2006