طرابلس ـ عبدالكافي الصمد

ومع أن أعضاء اللائحة الفائزة لم يجروا قراءة جماعية وموحّدة لما أسفرت عنه صناديق الاقتراع، إلا أن القوى الثلاث الرئيسة فيها: تيار المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، عكفوا عبر فرق عملهم الخاصة على إجراء مراجعة شاملة ومفصّلة للنتائج، قلماً قلماً وسجلّاً سجلّاً، لمعرفة نقاط القوّة والضعف لديهم، ولإعداد مقترحات تمهّد لنتائج أفضل في أي استحقاق انتخابي مقبل.
وعلى الرغم من الصمت الذي آثرت أغلبية الأفرقاء التزامه إزاء رؤيتهم للمرحلة المقبلة، إلا أن الجميع بدأو سريعاً يعدّون الأفكار والخطط لاستحقاق الانتخابات البلدية صيف العام المقبل، مع تفاصيلها التي تعنى بالأحياء والأزقة والعائلات والأفراد (المقيمين والمغتربين)، على أن يبدأ العمل بتنفيذها تدريجاً بعد عطلة صيفية قصيرة هي بمثابة «استراحة محارب» لهم، قبل خوضهم نزالها.
تيار المستقبل الذي يقارب الموضوع من ناحية أنه «قوّة ناخبة رئيسية في عاصمة الشمال، وهو ما أثبتته نتائج الانتخابات الأخيرة»، ترى مصادر مقرّبة منه أن «طريقة تعاطينا مع ملف الانتخابات البلدية، وإرساء حدّ أدنى من التفاهم مع حلفائنا بشأنه، سيُسّهلان علينا خوض غماره، مع أن هذا الأمر لا يزال مبكراً كثيراً الحديث عنه».
وإذ ترى مصادر التيار أن «حصتنا الوازنة في المجلس البلدي وفي المخاتير لا يمكن أحداً إنكارها»، فإنها تفضّل عدم تأكيد أو نفي أن يكون النائب السابق مصطفى علوش هو مرشح التيار لرئاسة المجلس البلدي المقبل، «تعويضاً لإقصائه عن لائحة التضامن».
هذا الارتياح المبدئي الذي يتعامل معه تيار المستقبل إزاء الاستحقاق المقبل، لا يشمل حليفيه ميقاتي والصفدي. فميقاتي الذي خرج من الانتخابات النيابية غير راضٍ عن نتائجها، رغم فوزه وحليفه النائب أحمد كرامي فيها، باشر بهدوء الإعداد لها بطريقة أوّلية، انطلاقاً من نتائج الانتخابات الأخيرة التي «جعلته الرافعة الرئيسية للائحة».
ومع أن ميقاتي احتل المرتبة الثانية بين الفائزين خلف الصفدي، فإن الأوساط المقرّبة منه ترى أن «ما زرعه طيلة السنوات الماضية بدأ يؤتي ثماره، وأن القطاعات الشبابية والصحية والدينية والنقابية التي يعدّها منذ أعوام باتت تمثّل قاعدة رئيسية له هي الأوسع في طرابلس. وعلى هذا الأساس، ستكون له كلمة فصل في الانتخابات البلدية، لا يمكن أحداً تجاهلها».
أما الصفدي الذي يتطلّع إلى الانتخابات البلدية انطلاقاً من كونه صاحب الصدارة في الانتخابات النيابية، فإنه يسعى لخوضها وعينه على إبقاء رئيس البلدية ضمن حصته، مع معرفته المسبقة بأنه سيواجه منافسة ضارية من المستقبل وميقاتي، اللذين لن يتساهلا معه في هذا الموضوع، نظراً إلى طموحاتهما المشتركة.
ويدرك الصفدي، وفق مصادر سياسية متابعة، أن الانتخابات النيابية الماضية «حمّلته أعباء إضافية، لأنه سيكون مستهدفاً من حلفائه تحديداً، وسيظهر ذلك إلى العلن إذا تمسّك بتسمية رئيس البلدية أو زيادة حصته في المجلس البلدي».
وتشير المصادر إلى أن عملية الاستهداف هذه بدأت منذ الآن، بتعميم مقولة أن «الناخبين العلويين هم من أحدث الفارق لمصلحته»، لأن ميقاتي مثلاً احتل المرتبة الأولى في 205 أقلام من أصل 224 قلماً للناخبين السنّة في طرابلس التي تضم 259 قلم اقتراع، كما أن «تعويل الصفدي، الذي يمتلك ماكينة انتخابية مهمة وفاعلة، على أصوات الأقليات لن يكون عملاً مريحاً لمرشحيه».
لكنّ المصادر تستدرك بأن «طبيعة الانتخابات البلدية والاختيارية مختلفة عن الانتخابات النيابية، وأن الكلمة الفصل فيها هي للعائلات ولفئات متعدّدة لها اهتماماتها وقضاياها المختلفة»، معتبرة أن «من حاز أرقاماً كبيرة في الانتخابات النيابية ليس بالضرورة أن يحصّلها مرشحوه في الانتخابات البلدية، وخصوصاً أن طرابلس التي يتنازعها مرشحون يملكون ثروات كبيرة، وتسلّموا سدة السلطة فيها منذ سنوات، لا تزال تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، وأن بعض مناطقها (باب التبانة مثلاً) تعتبر إحدى أفقر المناطق في لبنان».
هذا التنافس الذي لم يطفو على السطح بعد، بين حلفاء الأمس، ليس معروفاً إلى أي مدى يمكن أن تستفيد منه قوى المعارضة لتعويض خسارتها النيابية، ولا معروفاً إذا كان لديها خطة في هذا المجال، كالرئيس عمر كرامي وجبهة العمل الإسلامي وجمعية المشاريع وأحزاب البعث والقومي والمؤتمر الشعبي وغيرهم، إضافة إلى موقف الجماعة الإسلامية والسلفيين، عدا عن أن أصوات الأقليات كالعلويين والأرثوذكس والموارنة والأرمن سيكون لها دورها المؤثر في حال عدم توافق القوى الرئيسية وانقسامهم إلى لوائح عدة.