ليس من الضروري تبرير كل فريق لما يريد أن يقوم به. بمعنى ان الاجندة ليست عملاً افتراضياً، أو أمراً مكروهاً بالضرورة. الاجندة، في حالة الحراك الشعبي ضد الفساد، هي التعبير الافضل عن خطة العمل المطلوبة للوصول الى نتائج.

منذ اليوم الاول لتحوّل الحراك الى فعل عام، يتيح لمن يرغب من المواطنين المشاركة فيه، برز التناقض بين أجندات مختلفة. وكان هناك، ولا يزال، صراع كبير على وجهة الحراك في المرحلة المقبلة. لذلك، من المنطقي أن يرتفع الصوت سريعاً حول الأولويات، وحول آليات العمل والقيادة.

ورغم كل العواطف التي يوزعها الناشطون على بعضهم بعضاً، الا ان حقيقة ما يجري هو ان تنازعهم على قيادة الحراك، إعلامياً او تنظيمياً، دليل حاسم على صراع خفي حول الوجهة التالية.
صحيح أن التغطية الاعلامية تفعل فعلها، لناحية إبراز هذا او ذاك، لكنها غير كافية لطبع حراك بصورة معينة، ولا سيما عندما تنحو الصورة الفعلية على الارض الى شكل مختلف، كما أنه يصحّ القول إن هناك ناشطين أبرع من آخرين في ابتداع وسائل العمل، ووضع الشعارات، وصياغة آليات العمل الميداني، لكنّ الخبرة والنشاط، وحتى الجرأة، كلها لا تكفي لتمكين مجموعة بعينها من احتكار الحراك، او لتمنح هذه المجموعة نفسها حق الفيتو على كل ما يقوم به الآخرون، سواء من الشركاء الاصليين، او ممن انضموا وصاروا اساسيين في التحرك.


كان منطقياً الصراع على وجهة الحراك كما هو مشروع الصراع على آليات العمل والشعارات


لذلك، يمكن الآن التطلع بهدوء الى المرحلة التالية، والقول إن النقاشات الدائرة بين مكوّنات الحراك ستظل حاضرة، سواء داخل الغرف المغلقة، او عبر وسائل معلنة. وهي نقاشات قد تترك آثاراً سلبية، وخصوصاً عندما تكون على شكل خلافات جوهرية في النظرة الى المرحلة المقبلة، لكن لا يبدو أن هذه النقاشات ستتحكّم في مشاريع معدّة او قيد التفكير عند مجموعات عدّة. ولا يمكن أن نتوقع اطاراً تنسيقياً متماسكاً او حديدياً لكل الحراك. وبالتالي، ستنتقل المعركة على كسب الحراك، لهذه الجبهة او تلك، إلى مرحلة اكثر دقة. وهو بيت القصيد.
ظلت مجموعة «طلعت ريحتكن» في صدارة المشهد الاعلامي. تحظى بدعم خاص من وسائل اعلامية اساسية، في لبنان وخارجه. ويجب الاقرار، بمعزل عن التقييم الدقيق لواقع ناشطيها الأساسيين، بأن لهذه المجموعة قدراتها الخاصة التي أتاحت لها التأثير في مجموعات كبيرة من المواطنين الذين شاركوا في الحراك. ولسبب غير واضح، لا يبدو أن هذه المجموعة قادرة، او اقله غير متحمسة، لبناء اطار يتسع لمشاركة شبابية او شعبية اوسع. بل يبدو، في كثير من الاحيان، ان طبيعتها الاصلية لا تتناسب وفكرة «الحشود الشعبية». وهذا في حد ذاته عنصر ضعف لمن يريد الذهاب نحو تغييرات كبيرة في بلاد الفساد، لكنه، قد يكون عنصر قوة لمن يشرف على هذه المجموعة، لناحية البقاء في حالة سيطرة تامة على ادارة عملها.
لكن ما برز خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، أن المجموعات الأخرى التي قامت سريعاً، او ولدت خلال التحركات، سارعت إلى بناء صيغها وأطرها، وهي مجموعات مشكّلة من شباب وشابات سبق ان شاركوا او شاركن في انشطة حزبية عامة وخاصة، لكن هؤلاء يعملون، بسرعة، على التأقلم مع الأطر الجديدة، الرافضة لفكرة الحزب التقليدية. وهذا في حد ذاته مثّل عنصراً جديداً. لأنه اتاح لهؤلاء الشباب التفلت من الأطر الحزبية التقليدية، كما اظهر ما لديهم من قدرات وأفكار ومبادرات.
البارز من هذه المجموعات، فريق «بدنا نحاسب» الذي جمع ناشطين، أتوا من تيارات سياسية قومية وناصرية وعلمانية ويسارية. وتأثروا بشخصيات وقادة واحزاب كان لديهم الكثير الذي قالوه في محاربة الفساد، لكن لم يخرج منها الا القليل من النتائج. وسرعان ما ظهر ان الذاكرة المليئة بحسومات بين هذه المجموعات، جعلت كتلة يسارية هي الأقرب الى الحزب الشيوعي، تتجه لتشكيل مجموعتها الخاصة، التي باتت تعرف بـ «جايي التغيير».
بين المجموعات الثلاث: «طلعت ريحتكن»، «بدنا نحاسب» و«جايي التغيير»، تحركت شخصيات ذات تاريخ نضالي، لكن هذه الشخصيات، بدت غير قادرة على احتلال المشهد بصورة جدية. وهذا عائد الى أسباب كثيرة، لكن محصلة النقاشات والشعارات والخلافات والمبادرات، تجعل ممكنا القول إننا امام مرحلة جديدة من الحراك. مرحلة يبرز فيها الحامل السياسي بقوة أكبر. وهو الحامل الذي يتصل بخطة عامة، تتعلق بكل الفساد، وتنظر الى الواقع السياسي كما هو، بقصد تغييره، لا بقصد المساومة معه. وما حصل في «خليج الزيتونة» ثم في «دالية الروشة»، وقبلهما رفض اجراءات الدفع مقابل التوقف قرب الكورنيش البحري، يدل على أن بالإمكان الحديث عن امكانية خوض معركة الحق العام. وهي معركة، لا تقف عند شعار واحد، قد يتحول من عنوان التحرك إلى عنوان المأزق، كما هي الحال في ملف النفايات. لقد صار بإمكان المشاركين في هذا الحراك البحث في أفكار وآليات عمل، تسعى ليس إلى إثارة الضجيج المطلوب حول غرف المسؤولين، بل الى نبش كل دفاتر الفساد المكدسة منذ قيام الشراكة الاميركية ـــ السعودية ــــ السورية عشية توقف الحرب الاهلية في لبنان وبعدها.
وفي حالة توسع معركة الحق العام، يصبح منطقياً التعامل مع الحراك، على انه الاساس القابل للتوسع، بقصد التغيير التدريجي، الطويل النفس، للسلطة القائمة، عبر تعديل جوهري لآليات انتاجها وعملها. هذا هو الهدف المنطقي لأي حراك مطلبي ومدني، بعيداً عن مطالب فولكلوريّة لا تهدد السلطة، مثل استقالة هذا او ذاك من المسؤولين… وبعيداً عن اللعبة الاستعراضية العقيمة التي يغذّيها التلفزيون بطريقته الفاجرة تحت شعار «بليز كلبجني».