عادت فلسطين إلى مخيمي اللجوء في الشمال. فُكّ الحصار عن مخيم البارد، وفُكّ حصار آخر غير معلن عن مخيم البداوي. لم يعد الفلسطيني لاجئاً يسأل عن كرتونة إعاشة، أدار ابن البداوي ظهره لصراع عبثي بين باب التبانة وجبل محسن، حيث كان يتفنن في ابتداع تدابير وتعابير النأي بنفسه عنه. نسي ابن البارد مآسي مخيمه المدمر، وخرج مزهواً بما هو أكبر من مؤامرة فتح الإسلام وما دار من حولها. فاضت التحركات الفلسطينية عن زواريب المخيمين الضيقة، حتى قبل إعلان النصر، إذ خرجت المنظمات الأهلية اللبنانية والفلسطينية إلى طرابلس لتعلن من ساحة التل أن فلسطين هي القضية. ومن هناك قالوا كلاماً كان محرماً لسنين خلت، سألوا الأمير القطري عن معنى زيارته غزة، وسألوا الجامعة العربية عن نشاطها الزائد الذي سرعان ما اختفى إزاء العدوان على غزة.

وليلة إعلان «الهدنة» لم يترك أهالي البداوي فرصة أمام المحللين للتفسير. الهدنة انتصار لإرادة المقاومة الفلسطينية وللسلاح. ظن السكان القريبون من البداوي أن مواجهات عنيفة تجددت بين باب التبانة وجبل محسن، فأصوات المفرقعات والعيارات النارية لم تهدأ طوال الليل. لم يبقَ أحد في منزله. نزلوا إلى الطرقات، أناشيد ثورية جديدة، «أضرب أضرب تل أبيب»، و«مستوطن يا أبو السوالف بالملجأ متخبي وخايف»، حلقات الدبكة لم توفر الأزقة الضيقة، الأعلام الفلسطينية تعانقت مع أعلام حزب الله، وعبارة «ولّى زمن الهزائم وبدأ زمن الانتصارات» تتخللها استعادة بيانات عسكرية فلسطينية، تذيعها مكبرات الصوت، حول قصف تل أبيب والمستوطنات بصواريخ الفجر والقسام.
في الليلة الثانية، هدأ جنون الفرح نسبياً. أتيح المجال لسماع آراء الناس. الأمر مختلف كلياً. يحاولون استيعاب ما حصل. كأنهم كانوا يتمنونه منذ زمن طويل لكنه عندما وقع.. بحاجة لوقت لهضم كل هذا. سابقاً كانوا يهربون من كاميرات التصوير، وكانوا يعبرون عن قرفهم من مجرد التفكير بجدوى الكلام والتصريحات. بعد النصر يتسابقون للظهور في كادر صورة يلتقطها اي كان. الصورة تأريخ المناسبة. ومناسبات النصر الفلسطيني صارت قليلة. تندفع فتاة صغيرة، وهي تسير أمام والدها، تحمل علماً فلسطينياً، وعلى جبينها وبالألوان ارتسم عبارة غزة انتصرت، وما أن تلمح الكاميرا موجهة إليها حتى ترفع يدها ملوّحة بشارة النصر.
في مقهى العقلة بشارع البداوي الرئيس، كما هي الحال في باقي المقاهي والمحال، الزحمة أكبر من أيام الأعياد بكثير، بل إن بعضها راح يوزع الحلوى مجاناً على الغادين والرائحين. يتنافس الشبان والرجال على تقديم التصريحات، ففي جعبتهم الكثير مما يريدون قوله. المواطن الغزّي، الساكن في المخيم، أبو محمد الخزاعي، حظي بأعلى قدر من المقابلات الصحافية، فجأة صار الأكثر شهرة في المخيم، لأنه ابن غزة الوحيد، ولأنه عمّ وخال وشقيق العشرات من شهداء العدوان الحالي على غزة وعدوان 2008.
بمجرد السؤال عمن لديه معلومات مباشرة عن غزة، وعن أحوال غزة خلال العدوان وبعده، يجري استدعاؤه، فيلبي ولو كان في آخر جهة من المخيم. لا ينتظر أبو محمد سماع الأسئلة، فقد حفظها، وألف ترتيبها. يقول أبو محمد «مبارح اتصلت بإخوتي وأولاد إخوتي، الشعور أحلى من هيك ما في، على التلفون سمعت أصوات الدبكة، الرقص والاحتفالات في عبسان وخزاعة شغالة». ويضيف أبو محمد «الانتصار للشعب الفلسطيني كله، وتحرير فلسطين صار كتير قريب، من الضفة للقطاع والقدس»، يقاطعه آخر بالقول «النصر للأمة العربية كلها»، فيجاوب «بلا أمة بلا بلوط»، و«هاد الربيع العربي من دون فلسطين كلام فاضي». أما إسرائيل فهي «زي الحاطة راسها بالأرض»، ولو كانت تدري أن «مع المقاومة صواريخ تصل تل أبيب ما كانت تجرأت على دخول المعركة».
ومع ذلك، يعتقد أبو محمد أن مقابل موقف الدولة المصرية الخجول «الشعب المصري كله مع المقاومة» وأن المعابر ستفتح للأكل والشرب، ولـ«كل شي، وللسلاح». وعن موقف اللبنانيين يقول «الشعب اللبناني والفلسطيني واحد، وأنا شفت بطرابلس كل الناس مبسوطين». ثم يعود إلى «معركة غزة، وحّدت الكل» وإلى أن «انتفاضة رح بتصير بالضفة» وأن «الاستشهاديين راح يتحركوا»، وأن «وقف القتال، هذا كله فاشل، والعدو الصهيوني ليس له مربط».
قبل انتصار غزة تراجع دور الفصائل والمنظمات الفلسطينية. بعضها صار أشبه بالمتاحف، بالكاد يوجد فيها مسؤول وحارس. ربما لم يكن ذلك قصوراً ذاتياً، فبغياب القضية اقتصرت المهام على منافسة اللجان الشعبية في عملها لتوصيل إعاشة أو سلك كهربائي مقطوع. أنعش انتصار غزة الفصائل والمنظمات، مكاتبها لم تعد تتسع للزوار، المناقشات حامية، الهواتف الجوالة تنقل صور الصواريخ، والمسؤولون يتحدثون، بنتيجة اتصالات مع الداخل الفلسطيني فعلية أو وهمية، عن آخر التطورات. باستهزاء فاضح يقول أحدهم أن أصغر مقاتل في غزة أكثر شجاعة من أغلب مسؤولي التنظيمات. ويروي آخر كيف أن امرأة سألت طبيب الطوارئ في مستشفى غزاوي عن دواء لتثبيت «الرُكَب» أثناء القصف، فأجابها الطبيب: «عندما تجدين الدواء أخبريني عنه».




ايقظ النصر مرارات نزهة علي كايد، فأخذت تروي كيف رحلت عن فلسطين وهي في العقد الأول من عمرها، تذكّرها الغارات الإسرائيلية على غزة بالقصف الذي تعرضت له في بلدة الصفصاف على مقربة من الحدود اللبنانية، وكيف هربت وهي صغيرة مع من بقي من أهلها، و«لحق بنا الطيران حتى بنت جبيل»، وطول الطريق «أكلت الحجارة والحصى من أرجلنا». تتذكر نزهة السبعينية، الجريمة، وتتذوق اليوم عقابها «اليوم رجعلتنا كرامتنا»، و«ما عاد الإسرائيلي بيقتل فينا كيف ما بدو»، و«صارت صواريخ المقاومة تخلّي الإسرائيلي يطب وينام بالملجأ».