رام الله | يستمرّ الغليان في الأراضي المحتلّة، وسط توسّع العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، والذي بات يشبه، في مجرياته اليومية، الوضع الذي كان سائداً إبّان عملية «السور الواقي» عام 2002، لناحية كثافة الاقتحامات والمواجهات المسلّحة وعمليات الإغلاق والحصار. وفي مقابل ذلك التغوّل، تتواصل عمليات المقاومة بالوتيرة نفسها، مُشكّلة مصدر إقلاق كبيراً للمؤسّسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، خاصة مع تكاثر صواعق التفجير، واقتراب حلول المناسبات الإسلامية واليهودية والتي يُتوقّع أن تمثّل بدورها عامل تصعيد أيضاً. في هذا الوقت، تُتابع السلطة الفلسطينية الاعتصام بالتفرّج، مكتفيةً ببيانات الإدانة وطلب التدخّل الدولي، من دون أن تُقدِم على أيّ خطوة من شأنها المسّ بجوهر علاقتها مع الاحتلال

سيكون شمال الضفة، على ما يبدو، الساحة الرئيسة للمواجهة (رسم: نهاد علم الدين)

تبدو الأوضاع التي تعيشها الضفة الغربية المحتلّة اليوم، أقرب ما تكون إلى تلك التي سادت إبّان عملية «السور الواقي»، على رغم عدم لجوء جيش الاحتلال حتى الآن إلى استخدام الطائرات الحربية لقصف المدن، او اجتياحها بالمجنزرات والمدفعية، إذ إن حجم الاقتحامات التي تتعرّض لها القرى والمدن والبلدات، وما يتخلّلها من اعتقالات ومداهمات ومواجهات يومية بات الاشتباك المسلّح أحد أبرز مظاهرها الثابتة، وما يُرافقها من تطويق للمناطق الفلسطينية بالحواجز التي يمتدّ نصْبها أيّاماً، كلّها مؤشّرات تشي بطبيعة ما تعيشه الأراضي المحتلّة من تصعيد شامل. في المقابل، تُواصل المقاومة فرْض حضورها مع اتّساع العدوان، مثبتةً فشل جيش الاحتلال في إطفاء جذوتها، ومتوسّعةً أفقياً وعمودياً، لتُسجَّل آخر عملياتها صباح الثلاثاء قرب حلحول في محافظة الخليل، حيث اشتبك الشهيد حمدي أبو دية مع جنود العدو بسلاحه الشخصي، بعد دقائق من إطلاقه النار على حافلة للمستوطِنين في المنطقة. وفي تفاصيل العملية الفدائية، فقد بادر أبو دية إلى إطلاق النار على حاجز إسرائيلي عند مفرق حلحول، وخاض مواجهات مع الجنود الموجودين هناك، قبل أن يعلَن استشهاده لاحقاً، في عملية تُعدّ الثالثة من نوعها خلال الساعات الماضية في منطقة الخليل، وسط اعتقاد المصادر العبرية بأن الشهيد هو نفسه مَن يقف خلف إطلاق النار على حافلة إسرائيلية قبل يومَين في منطقة مستوطنات «غوش عتصيون».
كذلك، سُجّلت، خلال الساعات القليلة الماضية، أكثر من 8 عمليات إطلاق نار، أبرزها تصدّي المقاومين بالرصاص والعبوات الناسفة لقوات الاحتلال التي اقتحمت بلدة قباطية في محافظة جنين، واستهداف مستوطَنة «شاكيد» بصليات من الرصاص دفعت جيش العدو إلى الاستنفار، واستقدام سيارات الإسعاف بعد وقوع أضرار في منزل للمستوطِنين، والطلب إلى هؤلاء التواجد في أماكن محصَّنة. كما استُهدفت عدّة حواجز في جنين بالرصاص، ما حَمل قوات الاحتلال على إغلاق حاجز برطعة بالكامل، واقتحام بلدة يعبد بأعداد كبيرة، لتشهد هذه الأخيرة بدورها اشتباكات مسلّحة عنيفة. وفي بلدة طمون في محافظة طوباس، سُجّل اشتباك مماثل بعد أن أطلق مقاومون النار تجاه جنود العدو الذين اقتحموا البلدة، في مشهد مماثل لِما عاشته حلحول في محافظة الخليل أيضاً. وتشهد الخليل، بالمجمل، ارتفاعاً في وتيرة الفعل المقاوم على غِرار ما يحدث في جنين ونابلس، تُرجم بعدّة عمليات إطلاق نار في بيت أمر وحلحول، من بينها استهداف حافلة للمستوطِنين.
ويُعدّ تصاعد هجمات المقاومة المسلّحة في الضفة الغربية، مصدر القلق الأكبر حالياً بالنسبة إلى المؤسّسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، خاصة بعد فشل رئيس الأركان السابق، أفيف كوخافي، في اجتثاث بذور تلك الهجمات قبل انتهاء ولايته، على رغم مضيّ أكثر من 10 أشهر على إطلاق عملية «كاسر الأمواج» ضدّ المقاومين في الضفة. وعليه، يبدو أن هذا التصاعد سيشكّل تحدّياً أوّل ورئيساً بالنسبة إلى رئيس الأركان الجديد، هرتسي هليفي، الذي يتسلّم من سلفه إرثاً ثقيلاً من المعضلات الأمنية، لم يَعُد مقتصراً على ساحة الضفة، في ظلّ التأهّب الذي تعيشه المقاومة أيضاً في قطاع غزة، واستنفارها، ومراقبتها لتطوّر الأحداث في الضفة والقدس خصوصاً. وفي هذا الإطار، نقل موقع «واللا» العبري عن مصادر أمنية إسرائيلية وصْفها الأوضاع في الأراضي المحتلّة بأنها «برميل بارود»، وتحذيرها من تصعيد كبير هناك بعد تسجيل عشرة أحداث أمنية في المنطقة خلال وقت قصير.
تتكاثر، منذ مدّة، المؤشّرات إلى أن الأراضي الفلسطينية قد تكون ذاهبة خلال الأسابيع المقبلة نحو تصعيد كبير


وتتكاثر، منذ مدّة، المؤشّرات إلى أن الأراضي الفلسطينية قد تكون ذاهبة خلال الأسابيع المقبلة نحو تصعيد كبير، ربّما يصل إلى حدود معركة لا أحد يعلم نطاقها. ويتصدّر تلك المؤشّرات إصرار حكومة الاحتلال على تطبيق التفاهمات التي أُبرمت بين أقطابها، بما تقتضيه من إطلاق يد اليمين المتطرّف في مشاريع الاستيطان والقتل، وتوسيع صلاحيات الشرطة والجيش، ورفْع وتيرة اقتحامات المسجد الأقصى من قِبَل المستوطِنين والدفع نحو تغيير الواقع القائم فيه، خاصة مع اقتراب حلول شهر رمضان في آذار المقبل، حيث سيتزامن مع الأعياد اليهودية التي ستمثّل بدورها سبباً رئيساً محتمَلاً لانفجار الأوضاع. واعتادت سلطات الاحتلال العسكرية والأمنية، في السنوات الماضية، رفْع مستوى استنفارها في شهر رمضان من كلّ عام، لِما تشهده هذه المناسبة من تنامٍ في أعمال المقاومة، وتكثيف لعمليات الاعتكاف في المسجد. لكن هذا العام سيكون وضعه مختلفاً، في ظلّ توجّهات وزير «الأمن القومي» الإسرائيلي، المتطرّف إيتمار بن غفير، وسعيه لدعم مطالب المستوطِنين في السماح لهم بممارسة صلواتهم التلمودية في الحرم القدسي بحرية، وتنظيم اقتحامات له من دون قيود.
وعلى رغم اتّساع دائرة التوتر لتشمل الأراضي المحتلّة كافة، إلّا أن شمال الضفة سيكون، على ما يبدو، الساحة الرئيسة للمواجهة، ليس فقط نظراً إلى واقعه الحالي الذي يتصدّره العمل العسكري والاشتباك المسلّح، بل أيضاً لِما تعدّه الحكومة اليمينية الفاشية من مخطّطات لإعادة إحياء البؤر الاستيطانية وتشريعها هناك، والدفع في اتّجاه العودة إليها بعد سنوات من تفكيكها وإخلائها، وهو ما لا يمكن أن يمرّ فلسطينياً مرور الكرام. وفي خضمّ هذه التوجّهات التي تنذر بتفجّر الوضع، وارتفاع مؤشّرات العدوان الإسرائيلي مع بلوغ عدد الشهداء الفلسطينيين 15 منذ بداية العام الجاري بينهم نحو 4 أطفال، تستمرّ السلطة الفلسطينية في اتّخاذ موقف المتفرّج، والاكتفاء بيانات الإدانة والاستنكار والنعي، ومطالَبة المجتمع الدولي بالتدخّل، من دون أيّ تحرّك قد يمسّ جوهر علاقاتها مع الاحتلال، وتحديداً «التنسيق الأمني» ومهمّاته، إلى جانب العلاقات الاقتصادية والمدنية.
وبينما من المتوقّع أن تُضاعف سلطات الاحتلال الضغوط على الفلسطينيين اقتصادياً واجتماعياً، تُواصل السلطة التعويل على «الموقف العربي والدولي» لإجبار إسرائيل على التوقّف عن سياستها. ومن هذا المنطلق، بحث الرئيس محمود عباس، مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبدالله الثاني، أمس، الحصول على مساعدة دبلوماسية منهما في مواجهة تحرّكات الحكومة الإسرائيلية، وتنسيق المواقف في ما بينهم قُبيل وصول مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، إلى المنطقة يوم الخميس، وزيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، لها أيضاً، نهاية الشهر الجاري. ويأتي اللقاء في ضوء معطيات مقلقة على الساحة الفلسطينية بالنسبة إلى مصر والأردن، في ظلّ تَوجّه حكومة الاحتلال إلى المساس بـ«الوضع القائم» في المسجد الأقصى بما يهدّد الوصاية الأردنية على المقدّسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهو ما تجلّت بوادره، أمس، في منْع قوات الاحتلال السفير الأردني في إسرائيل من دخول المسجد. وتُضاف إلى ذلك، الإجراءات العقابية التي تتّخذها إسرائيل ضدّ السلطة الفلسطينية، ودعوات وزراء الحكومة الجديدة إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية وضمّها، واحتمالية توسّع التصعيد مع اقتراب شهر رمضان.