سيحمل فجر الخامس من كانون الثاني 2023، كومة من المفاجآت والمفارقات التي لم يعهدها عميد الأسرى الفلسطينيين، كريم يونس، منذ أربعين عاماً. سيُباغَت، ويباغَت معه الجميع، باستمتاعه بكلّ السلوكيات العادية التي يمارسها أشباهه من البشر خارج القضبان كلّ يوم. سيمشي لأوّل مرّة على الإسفلت من دون أن تصطدم خطواته بجدار إسمنتي. سيرفع عيناه إلى قرص الشمس، يشاهدها من دون سقف الأسلاك الشائكة. سيشعر بأن ثمّة شيئاً غير عادي حين يجلس على كرسيّ السيّارة الإسفنجي، كونه ألِف المكوث على حديد «البرش». «قعدتُ على الكنبة، مشيتُ على الزفتة، دخلت البيت، رأيت الشجر والناس، الأطفال والباعة والأسواق»، قال يونس، وقد غمرت الدهشة ملامح وجهه الباسم.



سيجتهد الكثير في احتساب مدّة محكوميته، بالأيام والدقائق والثواني، فيما يخلّص شعر رأسه الناحل، وخطواته التي زادها تقدّم العمر تأنياً وهدوءاً، حسبةَ الاعتقال الطويل، من دون الحاجة إلى المعادلات الرياضية. في تمام الساعة الـ5:40 من فجر يوم أمس، دخل جنود المخابرات الإسرائيلية زنزانته. أخبروه أنه سيَخرج. أصرّ على أن يستحمّ، ويلبس أفضل ما لديه من ثياب، قبل أن يقابِل لآخر مرّة ضبّاط مصلحة إدارة السجون، الذين سيجهدون لتنغيص فرحته: «ممنوع الاحتفالات، ممنوع الاستقبال، ممنوع رفع الأعلام الفلسطينية»، قال الضابط الإسرائيلي بوجهٍ كالح، ليردّ عريس فلسطين المحرَّر بالقول: «أعْلى ما بخيلكم اركبوه (...) القرار ليس لي، لأهلي وشعبي وناسي».
من سجن هداريم، سيفارق ابن بلدة عارة شمال فلسطين المحتلة، رفاقه الذين «يمشون والموت معهم»، مُقَلّاً على متن سيارة مدنية. وبعد نقله في ثلاث سيّارات طوال رحلة المفاجأة والتضليل لإفشال مراسم استقباله المعدَّة سلفاً، انتهت «العملية الأمنية السرّية»، كما يصفها كريم، بتركه وحيداً قرب محطّة حافلات بلدة تبصر التي هُجّر منها أهلها عام 1948، وأضحت تحمل اسم «رعنانا» التي تبعد عن مسقط رأسه مسافة ساعة. سيقرّر الرجل الصلب حينها أن لا يستخدم بطاقة الحافلة التي أعطاه إيّاها جنود «الشاباك» ليعود إلى بلدته وحيداً. هناك، التقى ابنُ «الـ62 خريفاً» بعض العمّال الفلسطينيين، فسألهم عن اسم المنطقة، واستعار هاتف أحدهم، وأبلغ شقيقَيه اللذين كانا ينتظرانه أمام بوابة السجن بمكان تواجده. «لا أشعر بأيّ شيء حالياً، لا يوجد بداخلي ما أشعر به، أو ما أستطيع التعبير عنه، اليوم استنشقتُ الهواء، رأيتُ ضوء الشمس (...) قد أتعوّد على ذلك في الأيام المقبلة»، قال في أوّل حديث له إلى الصحافيين. وفي عارة، كان واضحاً أن ثمّة وجوهاً جديدة تُعرّف عن نفسها: «أنا وسيم ابن أختك»، ووجوهاً أخرى أشرقت بالحياة: «يا أم ماهر... أنا ماهر بَعَتني كشّاف»، قال كريم لوالدة ابن عمّه الأسير ماهر، الذي سيُخلى سبيله هو الآخر بعد نحو شهر من اليوم، ليختم أربعين عاماً قضياها معاً. على الأقلّ، سيجد كريم بعد حين مَن يخفّف عليه وطأة الحياة العادية.
أصرّ على أن يستحمّ، ويلبس أفضل ما لديه من ثياب، قبل الخروج


في عارة أيضاً، سيتحقّق قول مَن قال: «أربعون عاماً والأيدي مشرَّعة للعناق... وحينما جاء الوقت طار الحمام». سيهوي «الأسطورة الرقيقة» أمام قبر والدته التي رحلت قبل سبعة أشهر من اليوم (5/5/2022). اختارت أن «تراني حرّاً من السماء»، قال قبل أن يسهب في الحديث عن والدته (88 عاماً) التي داومت على زيارته نحو 700 مرة طوال 39 عاماً ونصف عام، أحصاها الرجل بدقّة، منذ اعتقاله في 5/1/1983. بدا العريس الذي عَلّقت على صدره أم ماهر يونس ليرة من الذهب، جرياً على العادة الشعبية القديمة لأهالي البلدة الشمالية في الأفراح، عنيداً وفدائياً، كأن الـ40 عاماً التي أتت على ملامح وجهه الشاب، أخطأت عزيمته وعنفوانه. الفدائي الذي اعتُقل عقب تنفيذه عملية بطولية أدّت إلى مقتل جندي إسرائيلي وإصابة آخرين، وكان أحد أشرس مُقاتلي حركة «فتح»، أظهر لغة خطاب متينة وواثقة. أكد في أكثر من رسالة صحافية وهو يحيّي نضال شعبه «الفلسطيني الذي يواصل مسيرة المقاومة منذ 100 عامٍ وأكثر»، أن النكبة بدأت قبل عام 1948، وكأنه يُعلن أنه سليل أجداده عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني، الذين لم يعهدوا تقسيمات الزمان والمكان التي طرأت على البلاد. كما لم يَفُت «رمزَ الوحدة الفلسطينية»، الذي يعيد اليوم ردْم حفر التقسيم بين فلسطينيي الضفة وغزة، وامتدادهم من فلسطينيّي عام 1948، أن يعيد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى مهده: «هم يستهدفون أبناء شعبنا لترويضهم، هم يريدوننا شعباً خانعاً، خنوعاً، مطيعاً، طيّعاً، كما قال قائدهم دافيد بن غوريون في الثلاثينيات: سنجعل من هؤلاء أدوات آدمية طيّعة، يريدوننا حطّابين وسقّائين»، ولكن «خسئوا، لن نكون كما يريدون»، قال كريم، وأكمل مراسم احتفاله محمولاً على أكتاف أهله وفي قلوب شعبه.