كعادتها، تعمل إسرائيل على تغطية اعتداءاتها بخطاب سياسي ودعائي يقدمها كضحية، وأن ما ترتكبه بحق شعوب المنطقة ودولها لم يكن إلا نتيجة انعدام الخيارات البديلة ومن موقع الاضطرار. وكالعادة أيضاً، يلقى هذا الخطاب تجاوباً لدى عواصم القرار في العالم الغربي المهيأة مسبقاً لتقبل الشعارات الإسرائيلية.


أمس أجمل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رؤية حكومته واستراتيجيتها في مواصلة عدوانها على قطاع غزة والانتقال إلى المرحلة البرية. ولم يفته توظيف العملية البرية لجيشه على أطراف القطاع، عن الحديث عن هدف الضغط على الطرف الفلسطيني من أجل الرضوخ للمعادلة الإسرائيلية لوقف النار، لذلك أعلن خلال جلسة الحكومة أنه أعطى تعليماته مع وزير الدفاع، موشيه يعلون، للجيش، بالاستعداد لإمكانية توسيع العملية بطريقة نوعية، مؤكداً أن الجيش ورئيس أركانه مستعدون بما يتلاءم والموقف.
امتداداً لسياسة التوظيف الهادفة إلى إضفاء شرعية دولية وداخلية على الهجوم البري، ربط نتنياهو بين العملية وبين رفض حماس الدعوة المصرية إلى وقف النار، متهماً الحركة بأنها لم تستجب لمبادرة الأمم المتحدة في إعلان الأخيرة عن هدنة إنسانية. كذلك قدم العملية كأنها تبلورت بعد انعدام الخيارات البديلة، مشيراً إلى أن إسرائيل «اختارت الخروج إلى هذه العملية بعدما استنفدت الخيارات الأخرى، وانطلاقاً من فهم أن الثمن الذي سندفعه من دون العملية يمكن أن يكون أكبر بكثير».
بخصوص العمل على توفير المشروعية الدولية، كشف نتنياهو تصدره هذه المهمة عبر اتصالات أجراها مع «قادة كبار في العالم»، موضحاً أنه شرح لهم الوضع غير المحتمل الذي آلت إليه إسرائيل وحاجتها إلى الدفاع عن مواطنيها، متجاهلاً في الوقت نفسه معاناة سكان غزة.
كذلك، لفت نتنياهو إلى أن «الغطاء الدولي ليس أمراً محسوماً بحد ذاته، بل نعمل على إنتاجه عبر نشاط سياسي ودعائي لا يتوقف، وهو منهجي منذ بداية العملية»، موضحاً أن هذا الغطاء يسمح لإسرائيل بالعمل «بشدة مقابل المنظمات الإرهابية وشركائها».
وفي موقف يعكس الأبعاد الإقليمية والدولية التي تنطوي عليها عملية غزة بما يتجاوز الشعارات المرفوعة، أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام حكومته أن «هناك اعتبارات ومعطيات لا نستطيع كشفها للجمهور، وهي معقدة وتشمل في الوقت نفسه ساحات وجبهات كثيرة في العالم»، لكنه أضاف أن «الاعتبار الأعلى الذي يواجهنا هو إعادة الأمن إلى مواطني إسرائيل والهدوء إلى الدولة».
أما بخصوص اللجوء إلى الخيار البري لمعالجة الأنفاق، فأوضح نتنياهو أن هذا الأمر «غير ممكن من الجو»، مقراً بـ«غياب ضمانات لتحقيق نتائج 100%، لكننا نفعل كل شيء من أجل تحقيق أقصى ما يمكن».
وبرغم سقوط مئات الضحايا والجرحى من المدنيين الفلسطينيين بالنيران الإسرائيلية، تحدث نتنياهو عن صورة مشوهة لمعارك كهذه في الرأي العام الدولي، لكنه كشف أن ما يسمى «المجتمع الدولي» يتناغم مع إسرائيل ويدعم خياراتها وسياساتها في مواجهة سكان غزة، قائلاً إن هذه المعركة «مختلفة هذه المرة لجهة أن كثيرين باتوا يفهمون أن من يتحمل المسؤولية عن هؤلاء الضحايا هو حماس فقط، وهذا أمر مهم لدولة إسرائيل».
من جهته، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، موشيه يعلون، أنه «لن نساوم على أمن مواطني إسرائيل ولن نتحمل إطلاق صواريخ على سكان الجنوب، ومن يحاول تشويش حياتنا فإنه سيدفع الثمن. ومن يمارس الإرهاب ضد دولة إسرائيل سنضربه بقوة. وعملية الجرف الصامد ستستمر ما دام هناك حاجة».
على الخط نفسه، وصف رئيس أركان الجيش، بني غانتس، العملية البرية بأنها «معقدة ونخوضها في البر والبحر والجو». وبموازاة تأكيد أن «العملية البرية تتقدم بصورة جيدة»، دعا غانتس المجتمع الإسرائيلي إلى الصبر، لافتاً إلى أن العملية العسكرية قد تشهد اشتباكات قاسية. «والجيش يفعل كل ما يمكن بالقوة المطلوبة».
وكان وزير الشؤون الاستراتيجية، يوفال شطاينيتس، قد أعلن قبل بدء جلسة الحكومة أنه لا استعباد «لاحتمال تطور مراحل أخرى وتوسيع العملية العسكرية»، فيما رأى وزير المالية، يائير لابيد، أنه منذ «محاولة حماس خطف وقتل مدنيين»، في إشارة إلى عملية صوفا، «لم يعد في الواقع هناك خيار آخر غير الدخول البري إلى غزة لتنفيذ العملية كما ينبغي».
أيضا، اعتبر وزير المواصلات، يسرائيل كاتس، أنه «في حال تجريد غزة من الصواريخ والأنفاق ستنهار حماس»، مضيفاً أن «أي دولة لم تكن لتوافق على تهديد مواطنيها بالصواريخ وأن يكون هناك أنفاق تخترق أراضيها».
على الصعيد الميداني، ادعى جيش الاحتلال أمس أنه تمكن من اكتشاف عشرة أنفاق قريبة من الشريط الحدودي بين القطاع وإسرائيل. ووفق صحيفة «هآرتس»، كشف ضابط رفيع أن «الجيش استخدم كل الحلول التكنولوجية للعثور على أنفاق، واستعان بجيولوجيين وخبراء من الجيش الأميركي، لكن حتى الآن لا توجد أي منظومة قادرة على العثور على أنفاق خلال حفرها وبنائها». وأضاف الضابط: «المبدأ الذي يوجه حماس هو نقل القتال إلى أراضينا، بواسطة التوغل عبر البحر أو الأنفاق».
وأضافت الصحيفة أن قيادة الجبهة الجنوبية «أولت اهتماماً بالغاً بموضوع الأنفاق في غزة، ورصدت لذلك موارد استخبارية كبيرة، وأن الجيش عثر خلال العامين الأخيرين على خمسة أنفاق جميعها تمتد من داخل القطاع إلى مكان قريب نسبياً من الحدود في الأراضي الإسرائيلية». ولفتت «هآرتس» إلى أنه ما يثير تخوف الجيش من هذه الأنفاق «أنها تستخدم لأسر جنود أو تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، كما أن بعضها مفخخ ويهدف إلى جر قوة إسرائيلية إليها ثم تفجيرها والجنود داخلها».
في السياق نفسه، نقلت صحيفة «معاريف» عن ضابط رفيع في الجبهة الجنوبية تقديره أن العملية ستتركز في هذه المرحلة على حزام من ثلاثة كيلومترات غربي السياج الفاصل»، مختتماً: «الهدف هو العثور على الأنفاق».