في تطوّر بالغ الدلالة، اعتقلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، صباح أمس، فلسطينياً في العشرينيات من عمره، من منطقة الجليل الواقعة شمال الأراضي المحتلّة عام 1948، بشُبهة محاولة التسبُّب بحادث على سكّة القطار الرابطة بين مدينة عكا ومستوطنة «كرمئيل»، قبل أن يجري إطلاق سراحه مساءً، لعدم كوْنه الشخص المطلوب، ويبقى الأخير بهذا طليقاً حتى الآن. وانقسمت وسائل الإعلام العبرية، ابتداءً، في تناوُل الخبر؛ إذ عَنْون بعضها: «اعتقال عربي إسرائيلي (فلسطيني من أراضي عام 1948) بتهمة تثبيته عبوة ناسفة على السكّة»، فيما ذكرت أخرى أنه اعتُقل على خلفيّة «تثبيته عائقاً» عليها، وأنه اقتيد إلى مركز التحقيق «بينما كان موجوداً في منطقة تثبيت العائق». وحتى الساعة، لا تزال الرقابة العسكرية الإسرائيلية تَفرض حظْر نشر على تفاصيل القضية وعلى هويّة المعتقل، الذي يحقّق معه جهاز «الشاباك» منذ صباح الثلاثاء، إثر اكتشاف عمّال القطار الجسّم المُثبّت، وذلك أثناء دوريّتهم الصباحية لتفقّد السكك والتأكّد من عدم وجود عوائق عليها. وطبقاً لموقع «واللا» العبري، نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية، فإن «المعتقل استغلّ إغلاق محطّات القطار بسبب عطلة الأعياد العبرية»، ووضع «عائقاً/ عبوة ناسفة متطوّرة، من أجل إخراج القطار عن مساره لدى عودة المحطّات إلى العمل بعد انتهاء العطلة».
جاءت حادثة الجليل في ظلّ حالة التأهّب القصوى التي تفرضها سلطات العدو


وعلى إثر ذيوع النبأ، أصدرت محكمة الصلح في مدينة حيفا أمراً بحظْر نشْر مواد التحقيق في القضية، بالإضافة إلى منْع نشْر أيّ معلومات من شأنها أن تؤدّي إلى كشْف هوية المعتقل والتعرّف إليه. واللافت في هذا الأمر هو أنه سارٍ حتى الـ25 من شهر تشرين الأول المقبل، ما قد يُشير إلى خطورة القضية التي تحتاج إلى وقتٍ طويل للتحقيق فيها. ويعني فرْض حظْر النشر أن «الشاباك» قد مَنع المعتقل من لقاء محامٍ، وأن الشاب يخضع للتحقيق في ظروف قاسية جدّاً، يتخلّلها ترهيب نفسي وجسدي. من جهتهم، انبرى المستوطنون إلى حملة تحريض ضدّ الفلسطينيين على خلفيّة الحادثة، وصلت إلى حدّ الدعوة إلى إنشاء جدران حول القرى والبلدات الفلسطينية داخل أراضي الـ48. وقال أحد المعلّقين على الخبر على موقع «القناة 12» العبرية إنه «لا يتوجّب نشْر أنباء مماثلة، حتى لا يُعطى الإرهابيون أفكاراً أكثر مما لديهم»، فيما اعتبر آخر، يُدعى تامي أولمان، أنه «يوجد صفر ردع». وتحدّث قسم ثالث عما سمّوه «إفلاس القضاء الإسرائيلي»، الذي بحسبهم «سيفرض حكماً مخفّفاً على مخرّب كان من الممكن أن يتسبّب بخسارة كبيرة بالأرواح». كذلك، رأى بعض المعلّقين أن ما حدث «يثبت فشل وزير الأمن الداخلي، عومير بار -ليف»، فيما قال آخر: «طوال الوقت أقول إن عرب إسرائيل (فلسطينيي عام 48) هم خطر وجودي علينا. تخيّلوا أيّ كارثة كانت ستحصل. يتوجّب نشر حرس الحدود بينهم، واستثمار موارد في مراقبتهم (الفلسطينيين)». ودعا ثالث إلى «حشر الفلسطينيين في منطقة واحدة وإغلاقها عليهم»، في حين ذهب رابع إلى المطالبة بـ«سحْب الجنسية من المعتقَل، ومن أفراد عائلته الواسعة، وطردهم من الجليل إلى سوريا... على قريته كلّها أن تعاني».
وجاءت هذه الحادثة في ظلّ حالة التأهّب القصوى التي تفرضها سلطات العدو في الضفة الغربية والقدس المحتلّتَين، على خلفيّة تصاعُد «الإنذارات» الاستخباراتية في الكيان من احتمالات تنفيذ عمليات ضدّ أهداف إسرائيلية في الأراضي المحتلّة، خلال فترة «الأعياد اليهودية». وعلى رغم أنه لا يزال من المبكر الحُكم على الواقعة خصوصاً في ظلّ الكتمان الذي يحيطها، إلّا أنها تمثّل، على أيّ حال، مؤشّراً إلى تمدّد رقعة المواجهة بين الفلسطينيين والاحتلال، فضلاً عن كوْنها محاولة لافتة تُضاف إلى سلسلة من المحاولات الشبيهة، التي استهدفت سكك القطار في الكيان على مرّ السنوات القليلة الماضية، وأُحبطت جميعها قبل أن تُحقّق غايتها.