رام الله | أخيراً، حزمت «سلطة أوسلو» أمرها، وقرّرت النيابة عن العدو في مهمّة ملاحقة المقاومين واعتقالهم، بعدما تصاعَد فعل هؤلاء على امتداد الضفة الغربية المحتلة، وبات عامل إقلاق وإزعاج كبيراً للعدو، جعله يفكّر باجتياح واسع لمنطقة شمال الضفة خصوصاً، على غرار عملية "السور الواقي" عام 2002. والظاهر أن السلطة أرادت ترْك الأمور تتصاعد إلى أعلى المستويات خطورة بالنسبة إلى الاحتلال، قبل أن تستجيب لنداءات الأخير بتحمّل "مسؤولياتها"، في توقيت اختارته بعناية بالتزامن مع تَوجّه رئيسها إلى نيويورك، حتى تُظهر لإسرائيل، ومِن خَلفها أميركا و"المجتمع الدولي" عموماً، أنه لا غنى عنها في تحقيق الاستقرار في الضفة، وأنها تستحقّ في مقابل ذلك دعماً يستنقذها من أزمتها. على أن ما قامت به السلطة في الساعات الأخيرة، وما استتبعه من تهديدات من قِبَل بعض الكتائب بمواجهة فعلها بالمِثل، ينذر بجرّ الأراضي المحتلّة إلى مربّع اقتتال خطير، على رغم درجة الوعي العالية التي أظهرتها فصائل المقاومة، والتي تجلّت في تحاشي المقاوم مصعب اشتية مواجهة معتقِليه، لدى اكتشافه أنهم فلسطينيون


تُنبئ العملية التي نفّذتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مدينة نابلس مساء الإثنين، برضوخ السلطة الفلسطينية للضغوط الأميركية والإسرائيلية، بشأن مقارعة المقاومين في مدينتَي نابلس وجنين؛ إذ إن هكذا قرار لا يمكن اتّخاذه وتنفيذه من دون وجود غطاء له من المستوى السياسي. وتَحوّلت مدينتا نابلس وجنين شمال الضفة، منذ مساء الإثنين، إلى ساحة معركة حقيقية، جرّاء المواجهات الواسعة التي اندلعت بين الأهالي والمقاومين من جهة، وبين عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية من جهة أخرى، عقب اختطاف الأخيرة المطلوب للاحتلال، الأسير المُحرَّر «القسّامي» مصعب اشتية، ورفيقه عميد طبيلة. وفي أعقاب شيوع خبر اختطاف اشتية الذي تَعتبره إسرائيل من أبرز المطلوبين لها في الضفة، ونجا من عدّة محاولات اغتيال سابقة، شهدت نابلس توتّراً كبيراً، حيث خرج عشرات المسلّحين من مجموعة «عرين الأسود» في البلدة القديمة، إلى وسط المدينة، وسط إطلاق نار كثيف في الهواء. كما خرج الأهالي إلى الشوارع، وأشعلوا الإطارات المطّاطية، ورشقوا بالحجارة عناصر الأمن الذين ردّوا بالرصاص الحيّ وقنابل الغاز، وهو وضعٌ انسحب على مخيّمات بلاطة والعين وعسكر.
وفي المقابل، دفعت الأجهزة الأمنية بقوّاتها وآلياتها المدرّعة إلى شوارع نابلس، فيما استَخدم عناصرها الرصاص الحيّ والمطّاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع، في المواجهات التي امتدّت إلى أحياء عدة في المدينة، وإنْ تركّزت في وسطها، مُخلّفة قتيلاً وعشرات الإصابات، ومتسبّبةً بتعطّل العديد من المؤسّسات. وأفادت مصادر طبّية بمقتل فراس يعيش (53 سنة) بالرصاص خلال المواجهات، بينما حمّلت عائلته السلطة الفلسطينية المسؤولية الكاملة عن مقتله. كما أصيب الأسير المحرَّر، الطالب في «جامعة النجاح» أنس عبد الفتاح، بجروح خطيرة للغاية، نقلت المصادر الطبّية عن عائلته أنه لن يخرج منها إلّا مصاباً بشلل نصفي، بسبب اختراق إحدى الرصاصات كبده وكليته وطحاله، واستقرارها في الحبل الشوكي. وفي جنين، صبّ عشرات المسلّحين، طيلة ساعات مساء الإثنين وفجر الثلاثاء، غضبهم على مقرّ المقاطعة، بصلْيات كثيفة من الرصاص، في حين أصدرت مجموعات المقاومة في جنين ونابلس وبلدتها القديمة ومخيّماتها بيانات تُدين إقدام السلطة على اختطاف اشتية، وتُطالبها بالإفراج عنه فوراً. وهدّد مقاومون من «كتيبة جنين»، في بيان مصوّر، رام الله، بالقول: «لا نريد منكم القتال معنا، لكن كُفّوا أيديكم عنا، وأطلِقوا سراح مصعب اشتية، وإذا تعاملتم بالخطف فسنتعامل بالخطف»، مضيفةً: «مطلبنا أن لا تكونوا خنجراً مسموماً لنا».

بدا لافتاً أن التصعيد الذي بدأته السلطة، تزامَن مع تَوجّه عباس إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة


وكانت السلطة حاولت، في بداية الحدث، الترويج لكوْن اشتية هو مَن قام بتسليم نفسه، الأمر الذي دحضته عائلته، مؤكدة أن عناصر الأجهزة الأمنية نصبوا له كميناً بُغية اعتقاله، وعندما اكتشف مصعب وجود الكمين، رفَع السلاح على القوّة التي حاصرته، معتقداً أنها إسرائيلية، ولدى تَأكّده من كوْن عناصرها فلسطينيين أنزل سلاحه، ليعتدي هؤلاء عليه بالضرب ويختطفوه. وحمّلت العائلة محافظ نابلس وقيادة الأجهزة الأمنية المسؤولية عن صحّة ابنها ومصيره، مُطالبةً بالإفراج الفوري عنه. من جهتها، دعت «لجنة المؤسّسات والفصائل الفلسطينية» في نابلس، السلطة، إلى إطلاق سراح اشتية وتجريم الاعتقال السياسي، بينما حاولت المؤسّسة الأمنية التنصّل من دم يعيش، بالادّعاء أن قواتها لم تتواجد في المكان الذي قُتل فيه الرجل، مُدافِعةً بأن «قرار التحفّظ على المواطنَين مصعب اشتية وعميد طبيلة جاء لأسباب ودواعٍ موجودة لدى المؤسّسة الأمنية، سيتمّ الإفصاح عنها لاحقاً».
ويَحمل هجوم الأجهزة الأمنية على مدينة نابلس، وما تخلّله من إنزال المدرّعات ونشر القناصة، رسائل عدّة إلى أطراف مختلفة؛ إذ بدا أقرب إلى محاولة من قِبَل السلطة لإثبات قدرتها واستعراض قوّتها ليس أمام الشارع الفلسطيني فقط، وإنّما إزاء الاحتلال ومِن خَلفه الولايات المتحدة، بخاصة بعد أسابيع من اتّهامها بالضعف والتنصّل من مسؤولياتها. وظهرت السلطة كمَن تُحاول إعادة تأكيد أهمّيتها، والقول إن استقرار الوضع في الضفة الغربية لا تستطيع إسرائيل تحقيقه وحدها مهما استخدمت من قوّة، من دون الخدمات التي تُسديها الأولى إليها، وهو ما يجب أن يكون له مقابل. وليس مستبعَداً، والحال هذه، أن تتّسع حملة السلطة في مدينة نابلس في الساعات المقبلة، وأن تمتدّ إلى مدينة جنين، بخاصة بعد اللقاءات الأمنية التي عُقدت في الأيام الماضية بين ضبّاط إسرائيليين وشخصيات فلسطينية، وتحديداً مدير جهاز الاستخبارات ماجد فرج ومدير «هيئة الشؤون المدنية» حسين الشيخ، والتي تشي مخرجاتها بنجاح إسرائيل في دفْع الأجهزة الأمنية إلى القيام بمهمّة مقارعة المقاوِمين نيابةً عنها، تحت طائلة التهديد باجتياح واسع لشمال الضفة، مع ما يعنيه هذا السيناريو من تهشيم إضافي لصورة السلطة ومكانتها.
كذلك، بدا لافتاً أن التصعيد الذي بدأته السلطة، تزامَن مع تَوجّه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة الأمم المتحدة، في ما يستهدف إظهار قدرة رام الله على ضبط الأوضاع، التي باتت عامل إقلاق كبيراً للولايات المتحدة و«المجتمع الدولي»، وهي بهذا تريد تعزيز «شرعيتها» الدولية، واستدرار الدعم المالي لصالحها، من دون أيّ اكتراث بالتداعيات الداخلية الخطيرة لِما تقوم به، والذي يناهز بل قد يفوق خطورةً مقتل أبو العز حلاوة، ونزار بنات، وعشرات ضحايا الاعتقالات والملاحقات. وحظي ما جرى في نابلس باهتمام الإعلام العبري، حيث رأى المراسل العسكري لموقع «واللا نيوز»، أمير بحبوط، في اعتقال اشتية «عرضاً ترويجياً بالتزامن مع خطاب أبو مازن في الأمم المتحدة، وإشارة إلى الولايات المتحدة وأوروبا»، معتبراً أن «تغيير الاتجاه يتحقّق فقط إذا رأينا اعتقالات لفترة زمنية طويلة». وكتبت «يديعوت أحرونوت»، بدورها، أن «اعتقال اشتية جاء على خلفيّة الانتقادات المُوجَّهة إلى السلطة من قِبَل رئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس جهاز الشاباك ورئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي قال: «لن نتردّد في العمل أينما لا تستطيع السلطة فرض السيطرة». ولم تُخف المصادر العبرية قلقها من امتداد حالة الغضب في نابلس، إذ قال آليؤر ليفي، محرر الشؤون الفلسطينية في قناة «كان» العبرية: «عندما نتحدّث عن سيناريو فقدان السيطرة في نابلس، نقصد بالضبط ما جرى الليلة الماضية، الأجهزة الأمنية اعتقلت مطلوباً في المدينة، ورداً على ذلك، المسلّحون فتحوا حرباً عالمية ضدّ السلطة... إنْ انقلبت الأوضاع على السلطة، إسرائيل ستكون أمام مشكلة كبيرة ومقلقة».
وجاء تحرّك السلطة في نابلس بعد أقلّ من 24 ساعة على سريان معلومات عن قرب تنفيذ جيش الاحتلال عملية عسكرية شمال الضفة، «ما لم تتعامل» السلطة الفلسطينية مع التصعيد الذي تشهده تلك المنطقة «بشكل فعّال»، وفق ما ذكره موقع «يديعوت أحرونوت» مساء الإثنين. لكن المفارقة أن الردّ الإسرائيلي على ما جرى في نابلس، جاء في صورة كشف النقاب عن شروع سلطات الاحتلال في حملة جديدة لمصادرة أموال فلسطينية تُحوّلها السلطة إلى عائلات الأسرى والشهداء، بحسب ما أفادت به صحيفة «يسرائيل هيوم»، موضحةً أن وزير الأمن الإسرائيلي، بني غانتس، وقّع أمراً يقضي بمطالبة سلسلة من المصارف في إسرائيل بتجميد هذه الأموال والمخصّصات.



مصعب اشتية... المطارَد الأخطر
يعدّ مصعب عاكف اشتية، أحد أبرز المطلوبين لقوات الاحتلال في الضفة، وهو قائد «كتائب القسام» في نابلس. يبلغ من العمر 30 سنة، وينحدر من قرية سالم شرق مدينة نابلس، وسط الضفة. تصف سلطات العدو اشتية بـ»المطارَد الأخطر»، وهي تُلاحقه منذ مطلع نيسان الماضي بشكل مباشر وعلني، إذ يُتّهم باستهداف قوات الاحتلال والمستوطنين بإطلاق النار، ممّا تسبّب في جرح أحدهم. ارتبط اشتية بعلاقة قوية مع المقاومين في البلدة القديمة في نابلس، وطُورد وزملاء آخرين له، لا سيما الشهيد إبراهيم النابلسي الذي يعدّ أقربهم إليه وأوطدهم علاقة به. وبرز اسم اشتية، خصوصاً، حين اغتالت قوات الاحتلال صديقَيه عبد الرحمن صبح ومحمد العزيزي، اللذين استشهدا لتأمين انسحابه ورفاق له مطارَدين من حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس، بعدما كانوا هدفاً لاجتياح إسرائيلي واسع هناك.