رام الله | دفعة جديدة من «الحساب المفتوح» مع العدو، انتزعتها مدينة جنين من دم جنود جيش الاحتلال وضبّاطه فجر أمس، بعملية جريئة تمكّن خلالها الشابّان أحمد وعبد الرحمن عابد من بلدة كفر دان، من اقتحام حاجز الجلمة المحصَّن، ونصْب كمين لقوّة إسرائيلية هناك، والاشتباك معها لساعات. وكما في كلّ مرّة، ذهبت جنين إلى القتال قبل الصلاة، ولقّم أولادها السلاح قبل الوضوء، ثمّ خاضوا عند الساعة الثانية فجراً اشتباكاً مسلّحاً مع قوات الاحتلال، هرعت على وقْعه مروحيات عسكرية وسيارات إسعاف عديدة إلى المكان لإجلاء المصابين، قبل أن يعترف جيش العدو بمقتل أحد ضبّاطه ويتكتّم على عدد المصابين. وبينما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية أن «المقاوِمَين عابد أطلقا النار صوب الجنود عن بعد 5 أمتار، وتمكّنا من قتْل ضابط»، أوضحت مصادر محلّية، في حديث إلى «الأخبار»، أن الشهيدَين هما قريبان (أحدهما ابن خالة الآخر)، مُبيّنةً أن عبد الرحمن يعمل مزارعاً في أرضه، فيما أحمد يعمل في جهاز الاستخبارات الفلسطينية، وهو الأمر الذي سلّطت وسائل الإعلام العبرية الضوء عليه، باعتباره أحد المؤشّرات المثيرة للقلق التي تحدّثت عنها الجهات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية سابقاً، إذ وصفه الصحافي الإسرائيلي، إيهود حمو، بأنه «تطوّر آخر مثير للقلق في ساحة تتخطّى الخطوط الحمراء في كلّ وقت».

ولا تنفصل عملية الجلمة عن الوضع المتوتّر في عموم الضفة الغربية؛ فهي جاءت بعد أقلّ من 24 ساعة على استهداف الحاجز نفسه صباح الثلاثاء بصلْيات من الرصاص تسبّبت بإصابة آليات لجيش الاحتلال، واستهداف حاجز صرة العسكري قرب مدينة نابلس، وأيضاً حاجز حوارة - النقطة العسكرية المُقامة على جبل جرزيم في نابلس -، فضلاً عن إصابة مستوطِنة إثر رشقها بالحجارة قرب قرية حارس في محافظة قلقيلية. وتُسعّر العملية الأحدث هواجس سلطات الاحتلال الأمنية قبيل الأعياد اليهودية، في ضوء الإنذارات الساخنة بوقوع عمليات فدائية جديدة، ليس في الضفة فقط وإنّما في الداخل المحتلّ أيضاً. وجاءت واقعة الجلمة بعد ساعات من مشاركة رئيس حكومة العدو، يائير لابيد، ورؤساء الأجهزة الأمنية، في «نقاش تحضيري خاص» بشأن الاستعدادات الأمنية الإسرائيلية لعطلة الأعياد، حيث حذّر رئيس شعبة الاستخبارات في جيش الاحتلال (أمان)، أهارون حاليفا، من احتمال ارتفاع وتيرة العمليات المسلّحة خلال الفترة المقبلة. وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن ثمّة لدى أجهزة العدو الأمنية نحو 70 تحذيراً ملموساً من وقوع هجمات في إسرائيل خلال فترة العطلة، وهو رقم قياسي من الإنذارات. ولذلك، تخطّط شرطة الاحتلال لنشر نحو عشرين ألف عنصر شرطة، مع التركيز على القدس والضفة.

تُسابق إسرائيل الزمن لاحتواء التصعيد في الضفة الغربية قبيل الأعياد اليهودية


وتحمل عملية الجلمة دلائل بالغة الأهمية من الناحية الأمنية تشكّل مصدر إحراج للمؤسّسة الإسرائيلية؛ فهي أوّلاً تأتي في ذروة الاستنفار الأمني لجيش الاحتلال، وتحديداً عند حاجز الجلمة المحصَّن، بعد ساعات من تعرّضه لإطلاق نار، واقتحام قوات العدو بلدة الجلمة، وشنّها مداهمات واسعة داخلها، لتأتي العملية وتَضرب كلّ تلك الاحتياطات الأمنية. أيضاً، وبينما يُواصل الاحتلال حملة «كاسر الأمواج» التي أطلقها في آذار الماضي وفق سياسة «جزّ العشب»، يجيء هذا الهجوم كدليل على ارتفاع أمواج العمل المقاوم وحالة الاشتباك في الضفة، من دون أن تؤثّر فيه عمليات الاعتقال اليومية والاقتحامات وهدم المنازل، وهو ما يعني في المحصّلة تآكل قوّة الردع الإسرائيلية، وتنامي شكل جديد من المقاومة. وعلى هذه الخلفيّة، حذّر الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والمدير الحالي لـ«معهد دراسات الأمن القومي»، تمير هايمان، من تصاعُد المقاومة في الضفة، قائلاً: «نعم، نحن في طريقنا إلى نوع من العاصفة الكاملة»، معتبراً أن «القوّة الجديدة الناشئة، هي الأخطر من وجهة نظري. هي قوّة من الشباب، على وجه التحديد من فتح وليس الجهاد الإسلامي أو حماس، الذين خاب أملهم ويحاولون تحسين أوضاعهم من خلال المقاومة العنيفة التي يتمّ تزخيمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. كلّ هذه العوامل تخلق جوّاً متفجّراً للغاية، بحيث يمكن لأيّ ضغطة صغيرة على الزناد إشعاله». ويعتقد هايمان بأن «الانتفاضة الثالثة يمكن أن تكون سيناريو محتمَلاً للغاية، ولكن ليس بعد. ما نراه في الوقت الحالي هو مظاهر انفجار التوتّر الكبير الذي يكمن تحت السطح»، منبّهاً إلى أنه «ينبغي ألّا نعتقد بأن المشكلة موجودة في مكان واحد فقط في الضفة، نحن نبحث دائماً عن نقطة واحدة مفادها بأنّنا إذا هاجمنا فسوف نحسم الأمر، لكن الوضع في الضفة الغربية ليس كذلك، لا يوجد مركز ثقل، ولا توجد عاصمة للإرهاب، هناك عدّة عواصم للإرهاب».
ونعتْ «كتائب شهداء الأقصى» الشهيدَين عابد، وقالت إنهما من «فرسانها»، مؤكدة أنها ماضية في المقاومة، بينما أشادت حركة «حماس» بعملية الجلمة، معتبرةً إيّاها بداية الطريق لتصاعد الاشتباكات والمواجهة مع المحتلّ ردّاً على الاقتحامات المرتقبة للمسجد الأقصى، مضيفة أن هذا الهجوم «أسقط تهديدات الاحتلال في الضفة، وأثبت قدرة الشعب الفلسطيني على رسم صورة البطولة والانتصار». ورأت حركة «الجهاد الإسلامي»، بدورها، أن «جنين أثبتت مرّة أخرى، وعلى أيدي مُجاهدي شعبنا، أنها رأس حربة المقاومة، وأن هيبة الاحتلال الصهيوني ستتحطّم على أبوابها، وأن مقاومتنا لن تخيفها كلّ تهديدات الاحتلال وإرهابه المستمرّ»، مؤكدة أن «سلسلة العمليات البطولية سوف تستمرّ حتى دحر الاحتلال وزواله»، في حين قالت «الجبهة الشعبية» إن «هذا الاشتباك يؤكّد أن ثقافة المقاومة والاستشهاد متأصّلة في وجدان أبناء شعبنا، وإن الدفاع عن الوطن هو السِمة الطبيعية والنهج الذي يجب أن يَحكم أداء أفراد الأجهزة الأمنية»، مُشدّدة على أن «هذه الثقافة يجب أن تترسّخ وتتوسّع لتشمل كلّ عناصر الأجهزة الأمنية، ليكونوا في خطّ الدفاع الأوّل عن أبناء شعبنا ضدّ جنود الاحتلال والمستعربين والمستوطنين، بعيداً عن سياسات التطويع والنهج المدمّر الذي حَكم عقيدة السلطة».
وتُسابق إسرائيل الزمن لاحتواء التصعيد في الضفة الغربية قبيل الأعياد اليهودية، مُراوِحةً بين التهديد بشنّ عملية عسكرية في الشمال، وتكثيف الاجتماعات مع السلطة الفلسطينية وتصعيد الضغوط عليها للقيام بدورها في ملاحقة المقاومين، بينما المعطيات على الأرض تشي بقرب انفجار شامل، خاصة في ظلّ الدعوات إلى تنفيذ أكبر اقتحام للمستوطنين في تاريخ المسجد الأقصى، وتأدية الصلوات والشعائر التلمودية داخله. وكشف الإعلام العبري عن لقاء سرّي جمَع الخميس الماضي، مسؤولين أمنيين إسرائيليين باثنَين من كبار مسؤولي السلطة، وهما أمين سر «منظّمة التحرير» ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، ورئيس المخابرات ماجد فرج، وجرى البحث خلاله في سبل تقوية الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومساعدتها على استعادة سيطرتها. وشهد اللقاء جدالاً طويلاً، اتّهم خلاله الشيخ، إسرائيل، بإضعاف السلطة وأمنها عبر الاقتحامات الليلية وخصْم عائدات الضرائب، منبّهاً إلى أنه لا يمكن العمل بفعالية داخل المناطق الفلسطينية طالما بقيت هذه الاقتحامات والاعتقالات والاغتيالات. وفي المقابل، حذّر الوفد الإسرائيلي من انفلات الأمور من عقالها، ودعا الجانب الفلسطيني إلى العمل بجديّة في شمال الضفة وخاصة منطقة نابلس. وفي ضوء القلق الإسرائيلي - الأميركي ممّا يجري، وتحديداً مشاركة العديد من عناصر الأجهزة الأمنية في تنفيذ عمليات فدائية، قالت صحيفة «هآرتس» إن «عناصر أمنية في السلطة الفلسطينية تلقّوا تدريبات مؤخراً في العاصمة الأردنية عمّان، تحت إشراف أميركي»، مضيفة أن «هناك قلقاً أمنياً إسرائيلياً إزاء تَغيّر عقلية أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، الذين باتوا ينحازون إلى المقاومين في الضفة الغربية، ما شكّل ضعفاً في التنسيق مع الاحتلال».
وعلى رغم انخراط السلطة في الجهود الأميركية والإسرائيلية لاستعادة الهدوء في الضفة، إلّا أنها تَعتبر أن ثمّة فرصة دائمة للتصعيد الأمني في الضفة كما في غزة، لجنْي مكاسب سياسية، خصوصاً لناحية استعادة مكانتها بعد فترة تهميش طويلة. إذ إنه مع كلّ جولة تصعيد سواءً في الأراضي المحتلّة أو القطاع، تحظى السلطة ببعض الاهتمام السياسي الدولي لبحث تهدئة الأوضاع، وهذا ما جرى مثلاً خلال معركة «سيف القدس»، حين تلقّى الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، اتّصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي، جو بايدن، بعد أشهر من تجاهُل الإدارة الأميركية للملفّ الفلسطيني. والظاهر أن السلطة تخطّط للاستفادة من التوتّر الحاصل حالياً، في الفترة الفاصلة عن انعقاد جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي سيلقي فيها عباس خطاباً، تروّج المصادر القريبة منه أنه سيكون «مفصلياً ومهمّاً للغاية»، علماً أنه يأتي بعد انتهاء مهلة العام التي أطلقها «أبو مازن» السنة الماضية لإنهاء الاحتلال في الضفة، وتلويحه المتجدّد بسحب اعتراف «منظمة التحرير» بإسرائيل، وتعليق الاتفاقيات الثنائية معها بما فيها التنسيق الأمني. ومن المتوقّع أن يقدّم عباس، في خطابه المنتَظر، الوضع المتشكّل في الضفة على أنه نتيجة لغياب أيّ مبادرة أو عملية سياسية.