رام الله | تبدو الأراضي الفلسطينية المحتلّة، في الذكرى التاسعة والعشرين لتوقيع «اتفاق أوسلو»، أقرب إلى الانتفاضة الشاملة منها إلى «السلام» الذي لم يكن ممكناً أصلاً مع «دولة» قامت على أنقاض مئات القرى الفلسطينية التي هدّمتها وهجّرت سكّانها إلى شتّى بقاع الأرض. و«اتفاق أوسلو» الذي حلّت ذكراه أمس، بات نسْياً منسيّاً بالنسبة إلى العدو، ولم يبقَ منه إلّا الحبر الذي كُتب به، وبعض نصوصه التي تخدم إسرائيل وتُريحها من تحمُّل تبعات احتلالها، بعدما حوّل الكيان الذي نشأ بموجبه، وهو السلطة الفلسطينية، إلى «وكيل أمني» بالدرجة الأولى، يعمل على منع أيّ مظاهر للمقاومة ويلاحقها، وبالدرجة الثانية «موظّف خدمات» يقوم بإدارة خدمات السكان تحت مظلّة الشروط والقيود والرقابة الإسرائيلية.

ووُقّعت «اتفاقية أوسلو» أو «اتفاقية إعلان المبادئ حول ترتيبات الحُكم الذاتي الانتقالي»، بدماء الفلسطينيين الذين أشعلوا انتفاضة شعبية عفوية عام 1987 في عموم الأراضي المحتلّة، جعلت القيادة المتنفّذة في «منظمة التحرير» تستشعر غيابها عن المشهد، وبُعدها عن الصدارة والمسؤولية، خاصة بعد مغادرتها لبنان إلى تونس. لكن تلك القيادة قدّمت، بموجب «أوسلو» التي قوبلت برفض وطني واسع، تنازلات مهولة مِن مثل التزامها بـ«حق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن»، والوصول إلى حلٍّ لكلّ القضايا الأساسية المتعلّقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، وإدانة استخدام «الإرهاب وأعمال العنف الأخرى»، وتعديل بنود «الميثاق الوطني» للتماشي مع هذا التغيير، والتعهّد بإلزام كلّ عناصر المنظّمة بذلك، ومنْع «انتهاك» هذه الحالة، وضبط «المنتهكين». ولربّما اعتقدت إسرائيل أنها بتوقيع الاتفاقية، بما تضمّنته من ملاحق أمنية واقتصادية وسياسية، ستضْمن تفوّقها سياسياً وأمنياً على الأرض، وستنجح في قتْل فكرة المقاومة التي زرعتها دماء الانتفاضة الأولى، لكنّها فشلت في ما تَقدّم؛ إذ سرعان ما تلقّت صفعات وسلسلة من العمليات الاستشهادية النوعية داخل الكيان وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، برزت معها أسماء قيادات لامعة في تاريخ المقاومة، كان لها دور في تأسيس نواة صلبة في كلّ الأراضي المحتلّة، استمرّت في النموّ والتطوّر حتى انفجرت الانتفاضة الثانية.
ويبدو المشهد في الضفة، بعد قرابة ثلاثة عقود من توقيع «أوسلو»، مُناقِضاً لما أريدَ تحقيقه من خلال الاتفاق؛ إذ تعيش الأراضي المحتلّة، اليوم، إرهاصات انتفاضة شاملة لم تشهد مِثلها منذ 15 عاماً، باعتراف قادة الاحتلال الأمنيين، بينما ينصبّ الضغط الأميركي والإسرائيلي، إزاء ذلك، على السلطة وأجهزتها الأمنية بوصْفها المسؤولة عن تدهور الأوضاع، نتيجة تقصيرها في ملاحقة المقاومين. وضمن هذا الفهم المتّفَق عليه لدور السلطة، طلبت واشنطن من تل أبيب تحسين دعمها لرام الله، كإحدى آليات العمل لمواجهة حالة الاشتباك والغليان في الضفة، والتي ترى فيها أطراف أخرى أيضاً، مِن مِثل مصر وقطر والإمارات، خطراً لا يجب أن يستمرّ، وفق ما أبلغته للجهات الإسرائيلية المعنيّة. وفي سياق تلك الحالة المتصاعدة، سُجّلت، صباح أمس، عملية إطلاق نار على آليات للاحتلال عند حاجز الجلمة قرب جنين، تبنّتها «كتائب شهداء الأقصى»، وقام على إثرها جنود العدو بإغلاق الحاجز. وبذلك، بلغت العمليات التي شهدتها الضفة والقدس خلال الـ48 ساعة الأخيرة، 36، أبرزها 3 عمليات إطلاق نار، أدّت إلى إصابة ثلاثة من جنود الاحتلال ومستوطِنيه، بينما ذكرت «القناة 12» العبرية، مساء أوّل من أمس، أن طائرات من دون طيار محمَّلة بالصواريخ دخلت الخدمة لتُحلّق في أجواء مناطق شمال الضفة، وخاصة نابلس وجنين، ولكنها لم تنفّذ أيّ هجمات صاروخية حتى الآن.

يبدو المشهد في الضفة، بعد قرابة ثلاثة عقود من توقيع «أوسلو»، مُناقِضاً لما أريدَ تحقيقه من خلال الاتفاق


وفي وقت تتزايد فيه احتمالات الانفجار، نقلت صحيفة «هآرتس» العبرية عن مصادر أمنية إسرائيلية، حديثها عن تزايد ضلوع أفراد في أجهزة الأمن الفلسطينية في الاشتباكات مع قوات الاحتلال لدى اقتحامها جنين ونابلس ومخيمات لاجئين وقرى مجاورة، من أجل تنفيذ حملات اعتقال في صفوف الفلسطينيين. واعتبرت الصحيفة أن أمام إسرائيل خيارَين اثنين: «إمّا مساعدة الأجهزة الأمنية الفلسطينية على استعادة المسؤولية الأمنية في مدن شمال الضفة، أو الوقوف على الحياد ومشاهدة السلطة تنهار، وهذا يتطلّب من إسرائيل الدخول إلى الفراغ الذي ستتركه السلطة خلفها». وبحسب المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، فإن «ضعف أجهزة الأمن الفلسطينية ليس نابعاً من أداء التنظيمات المسلّحة فقط، وإنّما من تدهور زاحف في أداء السلطة بتأثير من تعامل إسرائيل معها». وأشارت «هآرتس» إلى أن تل أبيب وواشنطن ورام الله بحثت، أخيراً، خطوات ترمي إلى تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية، مضيفة أن إسرائيل لا تُمانع نقل المزيد من الأسلحة والذخيرة إلى تلك الأجهزة، بهدف تعزيز قوتها ضدّ «المجموعات المسلّحة الفلسطينية». كذلك، طُرحت فكرة «تشكيل قوّة فلسطينية خاصة، مدرَّبة ومسلَّحة أكثر، لمواجهة ناشطين مسلّحين من حماس والجهاد».
وعليه، يبدو أن إسرائيل ليست، أقلّه حتى الآن، في وارد الاستغناء عن السلطة أو السماح بانهيارها، في ظلّ ما تحمله الأخيرة من مهام كانت كلّها ملقاة على عاتق تل أبيب - بوصْفها قوّة احتلال وفق المعاهدات الدولية -، وتحويلها الاحتلال إلى مشروع اقتصادي مربح للغاية أو ما يُسمّى «احتلال 5 نجوم»، و«الخدمات الأمنية» التي تقدّمها للعدو في إطار «التنسيق الأمني»، فضلاً عمّا يمكن أن يقال من أن توقيعها «اتفاق أوسلو» وضع حجر الأساس للتطبيع العربي مع إسرائيل. وفي ظلّ عدم امتلاك السلطة أيّ أوراق قوة في وجه العدو، باستثناء التلويح بسحب الاعتراف بإسرائيل ووقف «التنسيق الأمني»، فإن هذه الورقة بالذات تبدو غير قابلة للتفعيل، بالنظر إلى ما نشأ بين تل أبيب ورام الله من مصالح وارتباطات لا يمكن الاستغناء عنها. وبالتالي، فإن تلك القرارات المعروفة بقرارات «المجلس المركزي لمنظّمة التحرير»، التي اتُّخذت في عام 2015، والقاضية بتحديد العلاقة مع الاحتلال ووقف كلّ أشكال التعاون والعمل بالاتفاقيات، تبدو حبراً على ورق، وفزاعة تُرفع بين حين وآخر ليس إلّا.
بالنتيجة، وعلى رغم كلّ ما حقّقه «اتفاق أوسلو» من مكاسب للاحتلال، إلّا أنه لم ينجح في القضاء على بذرة الثورة والمقاومة. فإذا ارتبط الثالث عشر من أيلول بذكرى التنازل عن فلسطين والاعتراف بحقّ العدو في الحياة والإقامة على أرضها، إلّا أن ذلك لم يَمحُ ذكرى معركة تحرير القدس، وهي إحدى المعارك الشرسة المنظّمة في خلال ثورة عام 1936، التي اندلعت ضمن خطّة رسمتها قيادة الثورة لتحرير المدن الفلسطينية، وأدّت إلى تحرير الخليل وجنين وبيسان وبئر السبع ورام الله، ثمّ كانت معركة تحرير القدس التي امتدّت من 2 الى 13 أيلول. كما أن ذكرى «أوسلو» المتجدّدة لن تمحو حالة الاشتباك المتعاظمة في الضفة، والتي يبدو العدو حائراً في كيفية التعامل معها.