رام الله | تعيش الضفة الغربية مخاضاً طويلاً وعسيراً، يبدو أنه بحاجة إلى تدخّلات كثيرة، وفترة زمنيّة ليست بالقصيرة للخروج منه. ولعلّ العدوان الأخير على غزة، في اليومَين الماضيين، كشف هشاشة الأوضاع؛ فلا تحرّكات جماهيرية واسعة، ولا عمل عسكريّاً لافتاً. ولعلّ لذلك أسباباً متنوعة، تشكّلت في سياق جملةٍ من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي انُتهجت في الضفة على مرّ السنوات. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الضفة لا تعيش عذاباتها وتحدّياتها الخاصّة. لم تمرّ على وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ قبل فجر الثامن من آب بنصف ساعة، بضع دقائق، حتى اجتاحت قوات معزّزة من الجيش الإسرائيلي بلدة رمانة في محافظة جنين، لتهدم منزلَي منفّذَي عملية «إلعاد»، وسط مواجهات عنيفة مع الأهالي، هي نفسها التي تتكرّر مع كلّ عملية اقتحام لأيّ قرية ومدينة ومخيّم في الضفة، وتكاد تكون يوميّة في المناطق التي تعشّش فيها المستوطنات والحواجز العسكرية، فيما أهلها يدفعون ثمناً باهظاً، إنْ عبر سرقة أراضيهم لمصلحة الاستيطان، أو عبر هدم منازلهم، أو عمليات الاقتحام والاغتيالات والاعتقالات التي تستهدف أبناءهم. وهي، بلا شكّ، عملية استنزاف دائمة لحياة الفلسطينيين وأولادهم وأموالهم ومقدّراتهم وموارد قوّتهم وصمودهم.

تشنّ إسرائيل، منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، حربَ استنزاف دائمة محورها الضفة الغربية، لمنع بناء أيّ قوّة أو تنظيم من شأنه أن يؤسّس لعملٍ مقاوم من جهة، أو يُحدث تغييراً في الوضع القائم في الشارع الفلسطيني، من جهة ثانية. وعلى الرغم ممّا تقدَّم، لم يختفِ العمل المقاوم في الضفة، وإن كان يعلو ويهبط، بين فينةٍ وأخرى، نظراً إلى الظروف السياسية والأمنية، في ما هو أشبه بالمدّ والجزر، بل امتاز في بعض الأحيان بالكثافة والتنظيم والدقّة كما كانت عليه الحال قبل الانتفاضة الثانية، وفي أحيان أخرى بالارتجال والفردية وغياب الإمكانات، كما جرى في السنوات الأخيرة، لكنه لم يغب في المحطات البارزة، مثلما حدث إبّان العدوان على غزة في أيار 2021. وإنْ كان التحرّك الجماهيري في الضفة، خلال الجولة الأخيرة، قد وُصف بـ«الخجول والفاتر»، إلّا أن بوادر توسُّعه كانت واردة، فيما لو استطال العدوان أو تطوّر إلى حرب واسعة، من دون أن يمحو ذلك وجود أسباب عميقة ومحورية رسمت، خلال السنوات الماضية، شكل الحراك النضالي الجماهيري في الضفة.

تغيُّر الواقع الجغرافي
تقطع الحواجز العسكرية أوصال مناطق الضفة الغربية، فيما يتكثّف انتشار ما يعرف بـ«الحواجز الطيارة» التي تفصل المدينة عن أريافها. وهذا الأمر أصبح يحول دون التواصل، وخاصّة عند الحديث عن عمل نضالي وجماهيري واسع، وهو ما تَكرّس منذ الانتفاضة الثانية، ولم يتمّ إيجاد الحلول لتجاوزه. عزلت إسرائيل، عبر ما سمّته آنذاك عملية «السور الواقي»، مدن الضفة عن ريفها، وعمّقت الاستيطان، ووفّرت بنية تحتية بالطرق والمواصلات للمستوطنين. وفي هذا الإطار، يقول مدير وحدة البحوث والسياسات في «المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية» (مسارات)، خليل شاهين، لـ«الأخبار»، إن «هذا أحد الأسباب المهمّة التي تلعب دوراً في شكل النضال الجماهيري»، موضحاً أن الشاب الذي يريد الوصول من مدينة جنين إلى حاجز الجلمة، عليه أن يقطع قرابة 4 كيلومترات، وكذلك الحال بالنسبة إلى الوصول من مدينة نابلس إلى حاجز حوارة للتظاهر، وهو أمر كان ينبغي معالجته من الفصائل الفلسطينية والناشطين في المقاومة الشعبية للتغلُّب على هذه التغييرات التي أجراها الاحتلال جغرافياً.

تحظى الضفة الغربية بأهمية كبيرة ودور مهمّ في المشروع النضالي


لا قرار مواجهة لدى السلطة
ويلفت شاهين إلى «عدم وجود قرار لدى السلطة الفلسطينية والقوى الوطنية لخوض مواجهة شاملة مع الاحتلال في الضفة»، فيما «المقاومة الشعبية التي يتمّ الحديث عنها، مجرّد شعار يُرفع في الخطاب السياسي، لأنه لا يوجد مقوّمات لممارسة تلك المقاومة إلّا بالشكل الذي نلاحظه من خلال العمل المتقطّع والمنفصل بعضه عن بعض، وهو أقرب ما يكون إلى ردّة فعل على خطر استيطاني يهدّد هذه القرية أو تلك». ويتابع شاهين: «السلطة غير معنيّة بمواجهة شاملة مع الاحتلال، وإنّما مواجهة تخدم سياستها، والدليل على ذلك تحويل مقاومة الجدار والاستيطان إلى هيئة رسمية بموظفين رسميين»، في حين أن سياسة السلطة هي «البقاء والتنفّس من خلال العلاقة مع الاحتلال بالمعنى الأمني والاقتصادي والسياسي، وهذه السياسة تدفع السلطة إلى التورط أكثر وأكثر في السلام الاقتصادي مع إسرائيل، والذي يتناقض مع سياسة المواجهة، أو التوجّه نحو خيارات استراتيجية أخرى مثل تنفيذ قرارات المجلس المركزي والوطني، وأهمّها تغيير العلاقة القائمة مع دولة الاحتلال... السياسة التي تتبنّاها السلطة هي سياسة مهادنة وليست سياسة مواجهة».

تراجع دور القوى الوطنية
تعيش القوى الوطنية والإسلامية في الضفة الغربية حالة تراجع كبيرة، بعضها منذ توقيع «اتفاق أوسلو»، وتكيّفها مع ما فرضه من ظروف، وبعضها الآخر بسبب الملاحقة لها من قِبَل الاحتلال حيناً، أو من قِبَل السلطة الفلسطينية. وتخلّت الفصائل في ظلّ «أوسلو» عن أبرز عوامل التحشيد في العمل النضالي، وابتعدت عن الأماكن التي يمكن فيها استهداف عناصرها وكوادرها، مِن مِثل المناطق المصنّفة «ج»، والخاضعة لسيطرة الاحتلال، ومن ثمّ المناطق «ب». ووفق شاهين، فإن «تكيُّف الفصائل مع الوضع القائم الذي فرضه اتفاق أوسلو، أضعف الروح الكفاحية، وأدّى إلى عزوف الشباب عن الانخراط في العمل المنظّم».

الانقسام
ألحق الانقسام، هو الآخر، ضرراً كبيراً بالعمل الوطني، وتحديداً في الضفة الغربية. ومع سنوات الانقسام الأولى، باتت حركة «حماس» ممنوعة من العمل في الضفة، ومُلاحَقَة من قِبَل السلطة الفلسطينية، كما باتت إسرائيل تستخدم الانقسام لتغذية مخاوف السلطة من نية «حماس» السيطرة على الضفة، وتأجيج مخاوفها من كلّ عمل قد تقوم به هناك، مقدّمةً التنسيق الأمني بديلاً وأداةً لمواجهة ذلك. ونظراً إلى اختلاف البرامج السياسية ما بين الفصائل الفلسطينية، بين مَن يعتنق الكفاح المسلّح للعمل النضالي، وبين من حدَّد المقاومة الشعبية أداة وحيدة لذلك، وتحديداً حركة «فتح» والسلطة، ورفْض رئيس الأخيرة، محمود عباس، أيّ أشكالٍ للعمل المسلّح، لم يتمّ الاتفاق - حتى الآن - على استراتيجية شاملة متوافَق عليها للعمل الوطني، كما أن الانقسام دفع كلا طرفيه اللذين يحكمان في الضفة وغزة، إلى توفير ما يلزمهما من مقوّمات تخدمهما، وهذا ما يمكن لحظه في المواجهة الأخيرة في غزة، بعدم تدخّل حركة «حماس»، الحزب الحاكم في القطاع.
ووفق شاهين، فإن «الانقسام خلق وضعاً لا تتوفّر فيه متطلّبات الذهاب لمواجهة شاملة ومتواصلة ومستدامة. فكلّ جهة تدعم شكلاً من أشكال المواجهة والاحتكاك مع الاحتلال»، مشيراً إلى أن سبب عدم وجود مقاومة مستدامة بشكل يومي، هو «غياب قيادة وطنية موحّدة تقود الفعل الشعبي، وعدم وجود قيادات محلية في الميدان تحتكّ مع الجماهير، وهو أمر لا تريده السلطة ولا تعمل الفصائل على ترتيبه وتكريسه». ويضيف إن «كلّ تلك العوامل لا توفّر المقوّمات اللازمة لخلْق حالة نضالية مستدامة، لذلك قد نشهد تطوّر أشكالٍ من العمل الكفاحي والتعبيرات الوطنية خارج المنظومة التقليدية والأحزاب السياسية، يتصدّرها الشباب الذين يحاولون تسلّم زمام الأمور وتصدُّرها، من خلال أشكال متنوعة من المقاومة، كإلقاء الحجارة والعمليات الفردية المستمدّة من تاريخنا النضالي». ويعتقد شاهين أن الأمور في الضفة الغربية لا يمكن أن تبقى هكذا، وأن «العمل النضالي سوف يتّجه نحو التنظيم كون ذلك حاجة، في ظلّ وجود الاحتلال وتعمّق ممارساته القمعية والاحتلالية والاستيطانية، لكن الأمر قد يأخذ بعض الوقت... في النهاية، سنجد أشكالاً من العمل والمقاومة المنظّمة، وربّما الموحّدة والعابرة للجغرافيا المجزّأة الشاملة بين الضفة وغزة وأراضي الداخل المحتلّ، على غرار ما جرى في معركة سيف القدس».
ويَعتبر أنه ليس ضرورياً أن يكون هذا الشكل، على غرار الانتفاضة الأولى، أي بانتهاج المقاومة الشعبية فقط، أو الانتفاضة الثانية التي طغى عليها العمل العسكري المسلّح، بل يمكن أن يكون مزيجاً من الشكلين، مشيراً إلى تجربة التشكيلات العسكرية المنتشرة في شمال الضفة الغربية، والتي أدّى عملها إلى اعتقال القيادي بسام السعدي، وبالتالي كانت أحد أسباب الحرب على غزة. ووفق شاهين، إذا «أثبتت المقاومة والتشكيلات العسكرية قدرتها على الاشتباك مع الاحتلال والمستوطنين وإيقاع خسائر في صفوفهم، فإن مساحة التأييد والدعم لها ستتّسع وستتعمّم إلى مناطق أخرى وستجد الحاضنة الشعبية».
وتحظى الضفة الغربية بأهمية كبيرة ودور مهمّ في المشروع النضالي، وتكاد تكون الساحة الأهمّ للمواجهة. وقد قامت بذلك الدور في أوقات سابقة، أبرزها انتفاضة الأقصى، كونها تعيش في احتكاك مباشر مع الاحتلال، ومع المشروع الاستيطاني الذي يتوغّل فيها يومياً. وإذا كانت الظروف التي تعيشها، في الوقت الراهن جرّاء سلسلة طويلة من الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية، قد أعاقت تأدية ذلك الدور، فإن هذا قد لا يستمرّ طويلاً.
وإلى جانب ما تَقدّم، أدّت السلطة دوراً في تثبيط ومنْع خلْق حالة نضالية واسعة في الضفة، عبر سلسلة من القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قيّدت المواطنين، بحيث جعلت اهتمامهم ينصبّ على السعي لتوفير احتياجات عائلية مادية، لتغطية الديون المتراكمة. ومن الأساليب الأخرى لملاحقة النشطاء والمعارضين، الاعتقالات السياسية التي ترتفع وتيرتها بين حين وآخر، واستمرار العمل بكلّ الاتفاقيات مع الاحتلال، بما فيها التنسيق الأمني، والتضييق على عمل الفصائل والقوى الوطنية، والاستفراد والهيمنة على القرار السياسي، وتحديداً «منظمة التحرير»، وتنامي حالة إحباط عامّة من الواقع السياسي، نظراً إلى عدم وجود تغيير شامل، سواء في الرؤية الوطنية أو الاستراتيجيات المتّبعة، على قاعدة الشراكة والمصالحة الوطنية.