يستبطن الاستنفار عالي المستوى الذي أعلنته إسرائيل في مواجهة قطاع غزة، على خلفية احتمال وقوع ردّ على اعتقالها الشيخ بسام السعدي في الضفة، جملة دلالات غير خافية، لعلّ أبرزها أن درجة ارتداع تل أبيب عالية جدّاً إزاء القطاع، وهو ما يمثّل مؤشّراً كاشفاً بالنسبة إلى ساحات تبدو أكثر إشباعاً بالقدرة على إيذاء الكيان. وعلى رغم ما تُظهره إسرائيل من جاهزية عالية لخوض جولة جديدة مع غزة، إلّا أنها لا تبدو معنيّة حالياً بهكذا سيناريوات، في ظلّ انشغالها بالخطر المستجدّ الآتي من لبنان، على خلفية النزاع البحري وتهديدات «حزب الله» المرتبطة به


ليس أمراً عديم الدلالات المعتدّ بها في المعادلة الردعية بين العدو وقطاع غزة، أن يقف الكيان على «رِجل ونصف» بسبب اعتقال مقاوم فلسطيني في الضفة الغربية المحتلّة. يؤشّر ذلك، من جديد، إلى أن ارتداع الاحتلال عن أيّ تصعيد قد يفضي إلى مواجهة عسكرية مع القطاع، هو أعلى بدرجات ممّا كان مُقدَّراً في السابق، الأمر الذي يكشف أيضاً عن واقع جبهات أخرى، من بوّابة أنه إن كان الردع فعّالاً ومؤثّراً إلى هذا الحدّ أمام تهديد غزة المحدود نسبياً قياساً إلى غيره، فكيف هو الحال في مواجهة ساحات مشبعة بالقدرة على إيذاء إسرائيل؟
تتأهّب المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية لاحتمال أن تردّ «حركة الجهاد الإسلامي» على اعتقال القيادي فيها، بسام السعدي، في الضفة الغربية. وهي لهذه الغاية، أعلنت استنفار جيشها واستدعاء احتياط وإنْ نسبي، ونشْر منظومة «القبّة الحديدية»، وتسيير مركبات وآليات عسكرية ودبابات مع تصويرها وتظهيرها في الإعلام، إضافة إلى منع التجوُّل والحركة وإقفال شوارع وممرّات في مستوطنات غزة، والطلب من المستوطنين في بعض منها الامتناع حتى عن الخروج من المنازل والدور السكنية. كذلك، أقفلت إسرائيل معابر القطاع، وحظرت ورود وخروج البضائع والأشخاص منها، وهدّدت بردّ غير تناسبي على أيّ عملية تنفّذها «الجهاد» انطلاقاً من غزة أو في الضفة أو غيرها من الأراضي المحتلّة، مع استدعاء الوسيط المصري لنقل التهديدات، وأيضاً العمل على التهدئة عبر الترغيب والترهيب. إزاء ما تَقدّم، يُطرح السؤال حول ما إذا كان القطاع سيشهد قريباً مواجهة جديدة، سواءً محدودة أم موسّعة، أو أن الأمور ستتّجه إلى تسوية من نوع ما؟
يبدو كلا الاحتمالَين واردَين، لكن أيّاً يكن، فإن ثمّة جملة خلاصات يمكن تثبيتها:
أولاً: واضح أن مستوى ارتداع إسرائيل عال جدّاً، مقابل قطاع غزة. والحديث هنا غير مؤسَّس فقط على ميزان القوّة، بل على فاعلية القوّة وتأثيرها، وما بين المطلبَين فروق. الواضح أيضاً أن هذا الارتداع يدفع إسرائيل إلى فعل كلّ شيء لمنْع الانزلاق إلى مواجهة، تدرك أنها قادرة خلالها على إلحاق الأذى بالقطاع، لكنها تعلم كذلك أن أذى مقابلاً سيلحق بها من جرّائها، بما لا يمكن تقديره من الآن، فضلاً عن أنها قد ترفع من مستوى التهديد الذي تمثّله غزة، وتزيد من صلابة الفلسطينيين وتُعزّز طموحاتهم على مستوى الصراع مع العدو.
ثانياً: إن كانت إسرائيل أظهرت انكفاءً عن قطاع غزة إلى هذا الحدّ، نتيجة التوتّر الحالي مع «الجهاد»، فكيف سيكون الحال لو اصطفّت فصائل المقاومة جنباً إلى جنب، في مواجهة واحدة مع العدو؟ ثمّ ماذا لو اندلعت مواجهة متعدّدة الجبهات، لا تقتصر على القطاع فقط؟
ثالثاً: تواجه إسرائيل تمدُّداً للمعادلات القائمة مع الفلسطينيين، والتي تَطوّرت إلى الردّ على عمليات اعتقال، وهو ما يُعدّ غير مسبوق في تاريخ الصراع مع غزة، فضلاً عن أن التهديد بالردّ يأتي من الأخيرة، بينما الحدث يجري في الضفة، الأمر الذي يمثّل عنصر إقلاق بالنسبة للاحتلال، من شأنه إذا لم «يُعالَج» أن يتسبّب بتداعيات غير سهلة على سطوته في الأراضي المحتلة.

مستوى التهديد الذي يمثّله القطاع كافٍ وحده لدفع إسرائيل إلى التفكير طويلاً قبل اتّخاذ قرارها العسكري


رابعاً: باتت تل أبيب، اليوم، أمام خيارَين متناقضَين: فلا هي قادرة على الإقرار بمعادلة الردّ من غزة على مجرّد وقوع اعتقال في الضفة؛ ولا هي معنيّة بأن تتسبّب بمواجهة مع القطاع. معركةُ إرادات تبدو إسرائيل غير قادرة وحدها على حسمها، الأمر الذي يفسّر استدعاء «الصديق» المصري للمؤازرة، عبر الترهيب والترغيب.
خامساً: كلّ ما يصدر عن تل أبيب من تصريحات وتهديدات وإجراءات تمهيدية للمواجهة العسكرية، إنّما هو أقرب إلى حركة استعراضية يُراد من خلالها الإيحاء بنيّة الاعتداء، لكن لا إرادة فعلية لإشعال الحرب، وإنّما محاولة منْع الطرف الآخر من تفعيل القوّة.
سادساً: هل ستكون للتطوّرات في ساحات أخرى، تداعيات على ساحة غزة؟ لا يمكن إنكار العلاقة، وإن كان مستوى التهديد الذي يمثّله القطاع كافٍ وحده لدفع إسرائيل إلى التفكير طويلاً قبل اتّخاذ قرارها العسكري. هنا، يَبرز عاملان اثنان: أوّلهما أن إسرائيل تريد أن تتفرّغ لمواجهة تهديدات «حزب الله» في النزاع البحري مع لبنان، في حال فشلت الجهود التي تبذلها لمنْع تنفيذ تلك التهديدات، وهو تركيز يُراد له أن يخدم بدوره اتّجاهَين اثنَين: تمكين الحلّ الذي يُعمل عليه كي يُمرَّر برضى الطرفَين، وهو ما يقتضي الهدوء مع غزة في ظلّ ضيق الوقت في مواجهة شروط «حزب الله»؛ وتلافي إمكانية أن تتسبّب أيّ معركة مع القطاع في رفع سقف تلك الشروط، بما قد يجبر تل أبيب على تقديم مزيد من التنازلات. أمّا العامل الثاني - الوقائي -، فهو أن إسرائيل تريد أن تمنع اشتعال ساحتَي مواجهة في الوقت نفسه، كونه سيدفع أعداءها إلى مؤازرة بعضهم البعض والتناغم في ما بينهم.
كيفما اتّفق، فإن التهديد الحالي الآتي من غزة عبر «الجهاد»، ومن لبنان عبر «حزب الله»، والانكفاء الإسرائيلي في مواجهتهما، من شأنهما تظهير إسرائيل على حقيقتها، وكشْف نقاط ضعفها أمام أعدائها. وهنا، يَبرز ما أوردته صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية من أن «إيقاف القطارات وإغلاق الطرق في الجنوب نتيجة تهديد منظّمة صغيرة في غزة بسبب اعتقال وليس اغتيال في جنين، هو تعبير فعلي عن مشكلة إسرائيل في ردعها». واعتبرت الصحيفة أن «هذا ليس سلوكاً لأقوى دولة في المنطقة. كان يجب على الجهاد الإسلامي وعلى الأعداء الآخرين أن يفهموا أن سعر الصاروخ الذي يطلقونه سيكون ثقيلاً جدّاً. ويبدو أنّنا لم نتعلّم شيئاً من (نظرية) بيت العنكبوت لـ(أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله)».