تتعدّد روايات إسرائيل لما تقول إنها «نجاحات» حقّقتها في مواجهة قطاع غزة، وإن كان جزء منها أو معظمها سيّالاً وحمّال أوجه. يدور الحديث في تل أبيب، كما هو مُوجّه من أعلى للإعلام العبري الذي يُظهر التزاماً كبيراً به، عن نجاحات تكتيكية وتوصيفات مبالَغ فيها إلى حدّ الإفراط، يراد من خلالها تصدير صورة انتصار ما، مشوّش وغير واضح، ولا يتّسم بصدقية، ولا يجد ردّ فعل إيجابياً لدى الجمهور الإسرائيلي. وإذا كانت تلك هي المعركة الموازية التي تخوضها إسرائيل الرسمية، إلى جانب القتال العسكري عبر القصف عن بعد، ويتماشى معها عدد من المعلّقين والمراسلين، إلا أن المعركة الرئيسة تُدار في ما تبَقّى من أيام قتالية من أجل منْع كلّ طرف للآخر من تحقيق مكاسب سياسية وترتيبات لاحقة في اليوم الذي يلي، من شأنها تغيير المعادلات وتثبيت محدّدات جديدة، هي في ذاتها تهديد استراتيجي بمستويات واتجاهات عملت اسرائيل طويلاً على تثبيت نقيضها، وتحديداً في ما يتّصل بربط سلاح غزة وما يمثّله من ردع وفاعلية وتأثير، بمدينة القدس وقضاياها.

من ناحية تل أبيب الرسمية، على رغم الإنكار العلني، يبدو العمل جارياً على تخفيف ما أمكن من خسائر لحقت بإسرائيل الدولة، وكذلك بأصحاب القرار فيها، من سياسيين وعسكريين، ما يدفع العدو إلى حراكَين سياسي وميداني وفقاً لدوافع عامة وخاصة، قد تتعارض أو تتقاطع، وهو ما يفسّر تناقض القرارات وتخبّطها. ما يبحث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه بني غانتس، وربّما في الخلفية وبقوة رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي، هو صورة يمكن عرضها أمام الجمهور الإسرائيلي لتغيير نتيجة القتال في الوعي الجمعي العام، إلّا أنها في حقيقتها صورة غير مفيدة، وربّما أيضاً مضرّة في ميزان الوعي والإدراك والبناء اللاحق عليهما لدى قادة الطرف الآخر وجمهوره، وتحديداً صاحب القرار في غزة، الذي يبني أفعاله واستراتيجياته اللاحقة على أساس النتائج المُحقَّقة فعلياً على الأرض وتداعياتها كما هي، من دون أيّ ربط بصورة انتصار ما تُباع للجمهور الإسرائيلي.
على ذلك، يُخاض القتال على جبهتين: جبهة الرأي العام الإسرائيلي التي تتطلّب من إسرائيل صورة انتصار ما تعمل عليها، وإن مع إدراكها صعوبة المطلب وتعذّره عملانياً؛ وجبهة المعادلات ومتغيّراتها مع سلاح غزة، والتي هي محكومة بنتيجة القتال نفسه وما يمكن أن يَنتج عنه، تعديلاً أو تغييراً، سواء في المعادلات أم في قواعد الاشتباك بين الجانبين. وهنا تكمن ماهية القتال الفعلي وأهدافه وإمكانية استمراره من عدمها. لدى إسرائيل، في هذا الاتجاه، هدف رئيس لم تتخلّ عنه إلى الآن: الامتناع عن الإقرار بما استطاعت الفصائل الفلسطينية في غزة تحقيقه من نتائج، وفي المقدّمة ربط سلاحها بالقدس وقضاياها. ولعلّ من أهمّ نتائج هذا الربط، التي تصرّ عليها غزّة كما يتّضح من التسريبات، هي ضمانات تُعطى لغزة حول القدس، بما يشمل التزاماً إسرائيلياً بكفّ اليد عن تهجير المقدسيين، والمقصود هنا تحديداً حيّ الشيخ جراح، وكذلك مطالب أخرى تتعلّق بالحرم القدسي. وهي ضمانات والتزامات يَصعُب على إسرائيل أن تتنازل فيها، إذ إنها عبر الإقرار بالربط بين سلاح المقاومة في غزة والقدس، تتخلّى عن واحدة من ثوابتها، بما من شأنه تحريك تهديدات وجودية تتجاوز القدس بأشواط، خاصة إن عرف الفلسطينيون استغلال المعادلة الجديدة لتحقيق مزيد من المكاسب في القدس نفسها، وما وراءها أيضاً.

المناورة البرّية ليست مرفوضة من المستوى السياسي فقط، بل من المستويين العسكري والأمني أيضاً


بإمكان إسرائيل، الآن، وقف القتال، و»بيع» الجمهور الإسرائيلي رواية انتصار، يساعدها فيها الإعلام العبري، وفيه ما هو غبّ الطلب تجاه التوجيهات من أعلى، وإن مع استثناءات. وفي هذا الإطار، لا يبدو أن ثمّة جدوى من استمرار القتال أياماً أخرى، حيث لن يفيد تحقيق مزيد من «الإنجازات» الميدانية التكتيكية، وتحديداً في ما يتعلّق باستهداف المدنيين والدور السكنية، في تعزيز رواية انتصار إسرائيل، وفق ما تدّعيه في إعلامها. إلا أن وقف القتال، كما هو معلوم، تَلزمه إرادة طرفيه، وهنا تكمن مشكلة تل أبيب، إذ تَبرز مطالب غزة التي لا يمكن أن تثنيها عنها إلا أداة الضغط الفعلي على القطاع، أي المناورة البرّية، وهو ما لا يبدو متاحاً لدى إسرائيل، بالنظر إلى أن دونها خسائر مقدَّرة بمئات إن لم يكن بآلاف القتلى والأسرى، مع فوائد ستكون محدودة قياساً إلى الخسائر. والمناورة البرّية ليست مرفوضة من المستوى السياسي فقط، بل من المستويين العسكري والأمني أيضاً، بل، وللمفارقة، من أشدّ الجهات والأشخاص تطرّفاً من أقصى اليمين، وأكثرهم نازية وعنصرية.
إضافة إلى ذلك، يضغط على إسرائيل عامل الوقت، إذ إن نافذة الفرصة الزمنية، داخلياً وخارجياً، تقترب من الانغلاق. داخلياً، تتعاظم الخسائر التي تلحق بالجمهور الإسرائيلي والدولة، بغضّ النظر عن خسائر الطرف الآخر، فيما الفرصة المعطاة لإسرائيل لتقليص خسائرها من قِبَل الجانب الأميركي بدأت تضيق أيضاً. أمّا الاستخدام المفرط للقوة العسكرية ضدّ المدنيين ودورهم السكنية لتدفيعهم الثمن، فقد بات غير ذي جدوى استراتيجية، ولن يكون الإقدام على المزيد منه إلّا في سياق مجازفة فعلية بأن تنجح واحدة من مفاجآت الفصائل، وتُلحق ضرراً كبيراً جدّاً بإسرائيل، لا تقتصر تداعياته على خسائرها المباشرة.
يبقى السؤال الرئيس في اليوم التاسع للقتال، كما هو في اليوم الأول منه: هل نحن على أبواب اتفاق على وقف إطلاق النار؟ أم أن المعركة ستطول أكثر؟ مبدئياً، إنكار إسرائيل لمعادلة غزة - القدس ورفضها الخضوع لها، من شأنهما أن يؤجّلا وقف إطلاق النار، لكنهما لا يلغيانه. كذلك، فإن الرفض الإسرائيلي للمعادلة، أو التذاكي عليها عبر تغيير صورتها وشكلها أمام الرأي العام، والخضوع لها موارَبةً، لا يعنيان أن المعادلة نفسها غير موجودة، أو باتت منتفية. وهنا تكمن الخسارة الإسرائيلية الرئيسة، من جرّاء الجولة القتالية الحالية مع غزة.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا