فجأةً، أصبحت فلسطين «الترند». ذلك حدثُ بالتأكيد كبير. مع بداية أحداث الشيخ جرّاح، قبل أسبوعٍ تقريباً، نشرت منى الكرد الصحافية الفلسطينية وابنة القدس، وتحديداً حي الشيخ جرّاح، مجموعة فيديوهات وتغريدات على صفحتها عبر موقع انستغرام تحكي قصّتها وقصة عائلتها، مع ما يحدث من تهجير قسري لعددٍ من أصحاب الأرض الأصليين من العرب الفلسطينيين في منطقة الشيخ جرّاح، الذين يجري «طردهم» من المدينة المقدّسة ضمن مخطط صهيوني «عنصري» لتطهيرٍ عرقي. الكرد التي يتابعها اليوم أكثر من 800 ألف من جميع أنحاء العالم، كانت قد بدأت بأقل من عشرة آلاف عند بدء الهبة الفلسطينية التي أعقبت أحداث الشيخ جرّاح. لكن ماذا حدث؟ كيف تحوّلت فلسطين في أيام قليلة إلى ترند؟ وكيف وصلت الحال إلى أن تستطيع فتاةٌ فلسطينية بلا أي «مدافعين» عنها أو «حماية دولية» أو «أموال طائلة» أو «وسائل إعلامٍ بملايين الدولارات» أن تحدث ضجّة إلى هذا الحد؟ الإجابة شديدة البساطة: إنّها قوّة السوشال ميديا.

لطوف ــ البرازيل

لم يقتصر دخول السوشال ميديا في موضوع القدس على بيوت الفلسطينيين، أو المقدسيين، أو حتى العرب والمسلمين؛ بل تعدّاهم إلى مشاهير أوروبيين وأميركيين. لا نتحدّث هنا عن أولئك من أصل فلسطيني كالعارضتين جيجي وبيلا حديد، وعضوة الكونغرس الأميركي رشيدة طليب، أو المشرقيين كالمصارع «إل جرينيكو» سامي زين السوري الأصل، أو حتى الممثلة الإباحية اللبنانية ميا خليفة. لسنا نتحدّث عن الـمناصرين للقضية الفلسطينية أمثال المبدع روجر ووترز المغني الرئيسي في فرقة «بينك فلويد» أو حتى أولئك من أصولٍ أفريقية/ إسلامية كـحمزة تشودهاري لاعب فريق «ليستر» الإنكليزي لكرة القدم، بل تعدّاهم إلى مشاهير بعيدين عن القضية الفلسطينية، وقد يكونون لم يسمعوا عنها من قبل. نتكلم مثلاً عن الإنكليزية القديرة لينا هيدي، أو نظيرتها الأميركية سوزان سارندون، وكذلك نجم الأكشن مارك رافلو، وسواهم مثل تريفور نواه، ودارين سامي، وكثيرين ممن غرّدوا تحت «الهاشتاغ» نفسه: #أنقذوا_ الشيخ_ جرّاح الذي انتشر كالنار في الهشيم.
تغريدة شاركتها الممثلة الأميركية سوزان سارندون على حسابها على تويتر، إلى جانب صور وفيديوهات عن آثار العدوان على غزة

دخول المشاهير على الساحة «عقّد» الموقف، خصوصاً أن الموضوع الذي كان الصهيوني يريد التعتيم عليه، أصبح فجأة أهم قضية في العالم. قد لا يعرف الجميع –خارج الشرق الأوسط- بأن فلسطين هي الدولة الوحيدة المحتلة في العالم حتى اللحظة، لكنهم باتوا يعرفون اليوم. حتى إنه بعد قضية الشيخ جرّاح، لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه في هذه القضية، مهما حدث. منذ بداية أحداث ما يسمى بالنكبة في عام 1948، وسيطرة الإعلام الغربي، والموجه صهيونياً، سادت «سردية» واحدةٌ حول فلسطين: الشعب المسكين، المعذّب، الذي أُحرق في محارق النازية، الذي تاه لسنواتٍ طوال، وجاء ليؤسس «واحة للديمقراطية» في الشرق الأوسط؛ «في أرضٍ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض» كما المقولة الشهيرة لرئيسة وزراء العدو الصهيوني غولدا مائير. الإعلام الكلاسيكي كان يورد بشكلٍ كبير حكايات دائمة عن الشعب الفلسطيني – والعرب عموماً- توحي إلى تخلّفه، جهله، وعدوانيته، بدءاً من رسومات هيرجيه في قصصه الشهيرة «تان تان» وصولاً إلى الأفلام الأميركية مثل Romancing the stone، مروراً بالعديد من التجارب التي أرّخت للسرديات نفسها عن الفلسطيني والعربي والمشرقي عموماً: بنظرها، هو الخبيث والخائن والوضيع الذي يرغب في القضاء على «الأبيض» الذي «جاء لنشر التحضّر والتمدن» ويريد «أن يعيش بسلامٍ وأمان».
بدءاً من عام 2014، بدأت الأمور تتغيّر واكتشف العالم بأكمله قضية فلسطين للمرة الأولى عبر السوشال ميديا


شابةٌ محجّبة جاءت لتقلب الوضع رأساً على عقب، لكنّ الأمر لم يحدث بين ليلةٍ وضحاها: في عام 2014، اكتشف العالم بأكمله قضية فلسطين للمرة الأولى عبر السوشال ميديا خلال عدوان صهيوني كبير على غزّة سُمّي «العصف المأكول». يومها، كانت لا تزال القنوات التلفزيونية الكلاسيكية تسيطر على كل شيء، وتروي القصّة كما تريدها وترغبها. وكانت الفضيحة عندما أخطأت الإعلامية الأميركية المعروفة ديان سوير من شبكة «ايه. بي. سي. نيوز» ووصفت أنقاض المنازل في غزّة التي دمّرها طيران الاحتلال بأنّها مناطق صهيونية، وأن هذه المنازل هي منازل مستوطنين دمّرتها صواريخ المقاومة الفلسطينية. هذه الكذبة وسواها سرعان ما تم تفنيدها عبر فيديوهات وصورٍ مماثلة أخذها شبان من داخل غزّة لم يكونوا يمتلكون سوى هواتفهم المحمولة. هنا أصبحت «سردية الضعفاء» هي الأكثر منطقيةً. فالصاروخ الصهيوني الذي أراده الإعلام الغربي الكلاسيكي الموجّه «بريئاً» و«محدد الهدف بدقة» Pin point targets وبضرباتٍ جراحية مبضعية surgical strikes، بدا كاذباً ومفضوحاً بعد نشر تلك الصور والفيديوهات حال وصوله إلى «هدفه». تعرّت الأكذوبة الصهيونية بسرعةٍ كبيرة، وأُحرجت الوسائل الإعلامية الكبرى كـ «سي. أن. أن» و«بي. بي. سي»، التي كانت قد وصلت بها الوقاحة في لحظة إلى القول بأنّنا «نغطي القصص بناءً على أهميتها». وقتها انتشر هاشتاغ Gaza under attack (ونظيره بالعربية «غزة تحت القصف») الذي جمع ما يقارب 400 تغريدة وكان لهذا الهاشتاغ أثرٌ كبير في تقديم رؤية مختلفة لما حدث آنذاك.

فيسبوك وإخوانه مع... «الهاسبارا»
ولأنّ الصهيوني تنبّه إلى هذا الخطر القادم من السوشال ميديا، كان من الطبيعي أن تكون هناك «وسيلة» لمقاومة هذا «الزحف» العربي/ الفلسطيني عبر السوشال ميديا من خلال التواصل المباشر والمعلن مع أصحاب شركات السوشال ميديا هذه، كالفيسبوك، والانستغرام وسواهما. هذا الأمر ليس جديداً. ففي مقال سابق في «الأخبار» تحت عنوان «زوكربرغ على خطى عصابات الهاغانا: فيسبوك يحجب صوت فلسطين»، تحدّثنا عن الإستراتيجية التي ينتهجها الموقع الأزرق في التعامل مع الأخبار الفلسطينية. استراتيجية تعطي الأولوية والمصداقية للأخبار الصهيونية على سواها، فضلاً عن تعتيم كامل على الأخبار الفلسطينية ومضامينها. وفي مقال لاحق، أشرنا إلى أنه كيف حذف «بدقة» مقالات ومنشورات وفيديوهات حول الشهيد الفلسطيني الكاتب غسّان كنفاني؛ لا تمت بصلة لأي منطق «إرهابي» سوى حديثه عن «تحرير فلسطين». هذه الأيام –وإبان الأحداث الحالية- بدا أنّ الأمر نفسه يستمر في الحدوث بوقاحة وغباءٍ لا متناهيين، خصوصاً حين «صنّف» موقع انستغرام (تملكه الشركة نفسها التي تملك الفيسبوك) صوراً للمسجد الأقصى باعتباره «موقعاً إرهابياً» فيما المكان «هو مكانٌ مقدس لعددٍ كبيرٍ من الديانات الإبراهيمية». أضف إلى ذلك الحذف العشوائي لعددٍ هائل من التغريدات، والمغرّدين وحساباتهم تحت منطق «مخالفتها معايير النشر». كل هذا ضمن «سياسة» دعمٍ مطلقة ومتحيزةٍ للرواية الصهيونية.

بيلا حديد

بدأت الحكاية مع الأيام الأولى لأحداث الشيخ جرّاح، حين تعرّض النشطاء لغياب حساباتهم خصوصاً مع نشرهم صوراً أو مقاطع فيديو تصوّر ما يحدث من مواجهاتٍ بين الفلسطينيين العزّل وجيش الاحتلال الصهيوني. وحدها الحسابات المعروفة، ذات المتابعين الكثر استطاعت النفاذ بجلدها، إذ يخشى أصحاب مواقع التواصل من مهاجمة هؤلاء إلا لسببٍ بيّن، فيما دفع أصحاب المتابعين الأقل عدداً الثمن. وهنا لا نتحدث عن خمسة آلاف متابع، بل أحياناً وصل العدد إلى مئة ومئتي ألف كصفحات مثل «قاوم» أو «مباشر» وسواهما التي ظهرت على مواقع التواصل، وسرعان ما حُذفت هذه الصفحات بسرعة البرق من قبل إدارة الفيسبوك، وبدون تنبهيات حتّى كما أشار أصحاب الصفحات لـ «الأخبار». طبعاً تجدر هنا الإشارة إلى أنَّ الصهاينة كانوا قد أنشأوا وحدةً أمنية متخصّصة في الحرب على السوشال ميديا تحت مسمّى «الهاسبارا» وجنّدت لها الآلاف الذين تتمحور مهمّتهم حول الدفاع عن سردية الصهاينة، ومقارعة أعدائهم في تلك الساحة. وخلال الأيام الماضية، شهدنا كيف كان يحدث «التنمّر الافتراضي» على عددٍ كبير من المشاركين في هاشتاغ save sheikh jarrah ضمن منطق: «إذا دافعتم عن الفلسطينيين فأنتم تهاجمون واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط»، أو حتى ضمن ضرباتٍ قذرة وتحت الحزام مثل: «تل أبيب هي عاصمة المثلية في الشرق الأوسط، وحماس تهاجمها لأنّها كذلك»... كل هذه الروايات، يعمل عليها الصهاينة بالتوازي مع حملات مواقع التواصل المستمرة حتى اللحظة في ملاحقة ومعاقبة أيّ مؤيدٍ للقضية الفلسطينية.
ويسلي فوفانا وحمزة تشودهاري لاعبا فريق «ليستر» الإنكليزي يرفعان علم فلسطين

باختصار، يعرف الصهاينة وأصحاب الرواية الغربية التقليدية قوّة «رواية الفقراء» أو «سردية الضعفاء» وقدرتها على التأثير عالمياً وانتشارها السريع عبر السوشال ميديا. من هنا تُخلق القوانين «غير العادلة» التي «لا تراعي الطرفين» ولا تساوي حتى «بين الجلاد والضحية» بل تتعاطف مع الجلاد ضمن منطقٍ عنصري أبيض. مع هذا، فإن هناك بصيصَ أملٍ كبيراً، ذلك أن هذه الشركات في النهاية هي شركات «مادية» تخشى على نفسها من خسارة جمهورها في لحظة ما، فهي مضطرة رغم كل انحيازها للرواية الصهيونية، للتراجع كما فعل انستغرام أمام بيلا حديد حين أغلق حسابها حينما غرّدت حول موطن والدها الأصلي فلسطين، ليعود الموقع للاعتذار. بدقة؛ ما قبل أحداث الشيخ جرّاح، ليس كما بعده. وهذا تأكيد لمقولة من «يملك السردية يملك التاريخ، ومن يملك التاريخ يملك مفاتيح الفوز» الجملة التي يكررها المؤرخ المعادي للصهيونية إيلان بابيه، إذ يمتلك «الفلسطينيون» أصحابُ الأرض الأصليون –ومن معهم- سرديتهم التي باتت تصل عبر السوشال ميديا بشكلٍ أو بآخر، وهذا بحدّ ذاته، انتصارٌ كبير.




اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا