في اليوم الذي أعقب التصعيد في القدس والحرم القدسي، كما اليوم الذي يسبق تصعيداً متوقّعاً بمستوى أعلى في الأيام المقبلة، تراشُق اتهامات بينية داخل إسرائيل وبحث في أخطائها. بعبارة أخرى، تُعلن إسرائيل وتقرّ بأنها فشلت في معالجة «احتجاجات» المقدسيين التي تسبّبت هي بها، وباتت تبحث الآن عن تقليل مستوى خسائرها، ومنْع الفلسطينيين، إن أمكن، من تحويل هذا الفشل إلى سلاح يُرفع في وجهها، لتثبيت حقوقهم، وإفشال مساعيها التي لا تنتهي في سلبها منهم. احتجاجات القدس هي إعادة تذكير لمَن يتناسى، بأن الاحتلال، وإن علت قدرته وسطوته، يخضع لمعادلة تتكاتف فيها القوة العسكرية وإرادة استخدامها ــــ وإن لم تُستخدم فعلياً ــــ، مع الاتحاد البيني لدى الفلسطينيين ووضعهم الانقسام الجغرافي جانباً، وكذلك المثابرة في إشعال الاحتجاج للوصول إلى تفشيل المساعي الإسرائيلية. والحديث هنا عن القدس، التي تُعدّ «قدس أقداس» الاحتلال، ويعتبر السعي إلى طرد الفلسطينيين منها بالقوة أو بالإغراء وما بينهما واحدةً من استراتيجياته المفعّلة منذ أن احتُلّت المدينة قبل عشرات السنين، وهو معنيّ بأن لا يسمح بإعلاء كلمة الفلسطينيين وعرقلة مخطّطاته، ما أمكنه ذلك.

وإن كان فشل إسرائيل في الجولة الحالية واضح المعالم ويمكن تقديره، إلا أن إعلان انتصار الفلسطينيين فيها لا يزال مبكراً أيضاً، على رغم أن كفّة المعركة، التي لم تنتهِ بعد، تميل إلى مصلحتهم. مع ذلك، فإن لِما يجري، كما هو إلى الآن، نتائج محقّقة، ومنها ما يمكن أن يُبنى عليه لحفظ حقوق الفلسطينيين، ومنها ما يُمكّنهم من فرض إرادتهم على الاحتلال لاسترجاع أخرى، إن أحسنوا استخدامها. وكما هو واضح، يتجاذب قرارَ إسرائيل اتجاهان، في ظلّ مساعيها إلى فرض الهدوء ومنع التسبّب بمستويات أعلى من التصعيد، وفي كلّ اتجاه فرصة وتهديد تختلف معقوليّتهما باختلاف القرارات التي يمكن أن تُتّخذ على أساسهما. يستند الاتجاه الأول إلى فكرة أن تمتنع إسرائيل عن استفزاز الفلسطينيين، عبر إجراءات تتراجع فيها عن قرارات اتّخذتها، أو تحدّ منها، سواء في ما يتعلق بإخلاء بيوت في حيّ الشيخ جرّاح، أو الحدّ من حركة المقدسيين تجاه الحرم القدسي ومداخله، وفي الاتجاه نفسه، تَمنع، أو في حدّ أدنى، تُقلّص اندفاعة المستوطنين وفعالياتهم في ما يُسمّى «يوم القدس» (الإسرائيلي). قرارات كهذه، ذات طبيعة انكفائية، إنما تأتي نتيجة ضغط فلسطيني، وهي من شأنها أن تنهي أو تحدّ بمستوى كبير من التصعيد، ما يؤدي إلى تحقيق مصلحة آنية ملحوظة للاحتلال، وخصوصاً أن الأخير يجد نفسه محتاجاً إلى الهدوء في ظرف ضاغط جدّاً، سواء داخلياً أو خارجياً، بعدما استدعت الاحتجاجات سلسلة إدانات خارجية، حتى من جهات عربية خليجية اصطفّت إلى جانب إسرائيل في الفترة الأخيرة.

الاحتجاجات ما كانت وحدها لتعطي نتائج طيّبة لو لم تكن القدرة العسكرية للمقاومة مفعّلة


على أن هذا الانكفاء لا يُعلم إلى أين سيصل، وخاصة أن المسألة لم تَعُد تتعلّق باحتجاجات مقدسية ضاغطة على إسرائيل فقط، بل باحتمالات التصعيد العسكري مع قطاع غزة، حيث القدرة على الإيذاء، مع إمكانات مرتفعة جدّاً للتسبُّب بجولة قتالية قد تتحوّل إلى تصعيد عسكري شامل. إلا أن ما يقابل تلك المصلحة الآنية (وها هنا الاتجاه الثاني) هو التهديد الكامن في سياقها، والمتمثّل في تلمّس الفلسطينيين حقيقة أن المثابرة على فعل الاحتجاج، مع إنضاج ظروف مساعدة لإنجاحه، سواء عبر إيجادها أو استغلال وجودها كما هي حال اصطفاف غزة عسكرياً إلى جانبهم، من شأنه أن يتحوّل إلى سلاح قادر على تثبيت الحقوق وحمايتها ومنع إسرائيل من الاستيلاء عليها. وهذا التهديد، على المدى الطويل، يُعدّ من ناحية الاحتلال سلاحاً «خارقاً للتوازن» من شأنه أن يحدّ من قدرة تل أبيب وسطوتها وخططها لتهويد مدينة القدس. كما أنه قابِل أيضاً للتطوّر، إن أحسن الفلسطينيون استخدامه، ليس في القدس المهدَّدة بشكل دائم فقط، بل أيضاً في الضفة الغربية حيث القضم والضمّ ومصادرة الأراضي. وهو بدوره مستوى آخر من التهديد، تخشى إسرائيل أن تصل إليه، وهي معنيّة بأن تحول دونه.
إلى أين سيتّجه القرار؟ هل تُفضّل إسرائيل المصلحة الآنية مع فوائدها المباشرة، أو منع التهديد على المدى الطويل؟ إشكالية يصعب الجزم بإجابتها، وإن كان الاحتلال سيسعى، على الأرجح، إلى إصدار قرارات مخلوطة من هذا وذاك، تهدف إلى تقليل الخسائر ما أمكن، عبر قرارات انكفائية غير حاسمة، وفي الوقت نفسه تَحول، ما أمكن أيضاً، دون تداعيات وخسائر استراتيجية على المدى الطويل. بالطبع، النتيجة، والحال هذه، تعني قرارات سيّالة جدّاً وصعبة التحقيق لتناقضها، وهنا معضلة صاحب القرار في تل أبيب، والتي أدّت إلى تقاذف الاتهامات بين المسؤولين وإلى مواقف ومطالبات متضادّة بتحمّل المسؤولية بين المؤسّسات المرتبطة بالقرار، وهو ما انعكس في الإعلام العبري، الذي أجاد سوق الاتهامات بدوره، ليُحمّل الفشل لكلّ القوس السياسي والأمني، بدءاً برئيس الحكومة ووزير الأمن الداخلي، وصولاً إلى أصغر شرطيّ نفّذ قرارات الشرطة في باب العمود. وكما هي العادة في إسرائيل، للنجاح ألف أب، وللفشل ألف أب آخر.
لدى الجانب الفلسطيني، يُسجَّل لفصائل المقاومة في غزة تموضعها العسكري الذي يؤثر في الاحتلال وفي اتجاهات قراراته، حتى من دون استخدام فعلي للقوة، وهو ما جعل الانكفاء مطروحاً بقوة على طاولة القرار في تل أبيب، فيما البحث الآن، كما يبدو، يدور حول شكل هذا الانكفاء وإخراجه. واللافت أن تموضع الفصائل عسكرياً لم يكن متسرّعاً، بل مواكباً للوضع الميداني في القدس، مع توثّب لاستخدام القوة إن لزم الأمر، من دون ردّة فعل غير متساوقة مع الميدان، ما يمنع التدحرج نحو تصعيد يمكن أن يتسبّب بمواجهة، تُرحّل القدس عن صدارة الاهتمام وتلجم تلقائياً الاحتجاجات. وعلى رغم أهمّية احتجاجات المقدسيين وعِظَم تضحياتهم، إلّا أن الاحتجاجات ما كانت وحدها لتعطي نتائج طيّبة في وجه الاحتلال، لو لم تكن القدرة العسكرية للمقاومة في غزة مصطفّة ومفعّلة ومتوثّبة إلى جانب المقدسيين، الأمر الذي يُفقد الاحتلال فاعلية أدوات قمعه المعتادة، لاتصال الاحتجاجات بعوامل قوة رديفة تخشاها إسرائيل، وتعمل على الحؤول دونها، وإن عبر انكفائها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا