حقّق معسكر اليمين الإسرائيلي، بمجمل عناوينه المتطرّفة والاستيطانية، فوزاً كبيراً في الانتخابات الرابعة لـ»الكنيست». القدر المتيقّن أن هذا المعسكر سينال ما يراوح بين 71 و73 مقعداً، تتوزّع على «الليكود» و»الأحزاب الحريدية» («شاس» و«يهدوت هتوراة») والصهيونية الدينية و«يمينا»، إضافة إلى «أمل جديد» و«إسرائيل بيتنا». تُكرّس هذه النتائج حقيقة هيمنة اليمين بنسخته المتطرّفة على واقع المجتمع و»الكنيست». والمؤكد أيضاً أن «الليكود» يتصدّر هذا المعسكر بغالبية كبيرة ليس بالنسبة إلى حلفائه وخصومه في معسكر اليمين فقط، بل أيضاً مجمل الساحة الحزبية. ويبدو، بحسب النتائج الأولية، أنه سينال نحوَ ضعف ما سيحوزه من سيليه في المرتبة التالية: «يوجد مستقبل».
في النتيجة، نجح نتنياهو في إطاحة منافسيه من داخل اليمين، ومنع تبلور كتلة أو بروز شخصية يمكن أن تمثّل ندّاً له، كبديل محتمل لتأليف حكومة يمينية تُخرج إسرائيل من الشلل الذي تشهده مؤسّساتها التنفيذية والتشريعية، مع المحافظة على حكم اليمين. ولعلّ من أبرز الخائبين الذين كانوا موضع رهان، في محطة من المحطات، جدعون ساعر، الذي انشقّ عن «الليكود» وأنشأ «أمل جديد»، بهدف واحد ومحدّد هو إطاحة نتنياهو. فعلى رغم الزخم الذي تلقّاه في استطلاعات الرأي بداية انشقاقه، حيث منحته نحو 22 مقعداً، وبدلاً من أن يكون ذلك منطلقاً في مسار تصاعدي، تراجَع ساعر حتى تَحوّل إلى قوة متواضعة (نحو ستة مقاعد يمكن أن تتغيّر قليلاً)، لا تكاد تطمح إلى أن تُشكّل قوة مانعة تحول دون تأليف حكومة برئاسة نتنياهو.
في السياق نفسه، استبق قادة «أمل جديد» أيّ محاولة لإعادة ضمّهم إلى «الليكود» أو الحكومة بتأكيد أنهم لن ينضووا إلى حكومة برئاسة نتنياهو. مع ذلك، لا يزال المسار التفاوضي في بدايته. والمفهوم نفسه ينسحب على رئيس «يمينا»، نفتالي بينِت، الذي تراجع رصيده في الاستطلاعات من أكثر من 20 مقعداً ليأخذ حجمه الطبيعي (سبعة مقاعد حتى الآن)، وهو أمر تكرّر معه في أكثر من محطة انتخابية. في ضوء هذه النتائج، لن يتجاوز دوره كعامل مرجّح لتأليف حكومة يمينية، لكن تنبع قوته من كون موقفه حاسماً، بالنظر إلى أن نتنياهو لا يستطيع أن يُؤلف من دونه (مع فرضية استبعاد انضمام ساعر أو ليبرمان) حكومة يمينية، سواء شكّل معه غالبية 61 عضواً، أم بقي يحتاج إلى تأييد أعضاء آخرين. وكان لافتاً أن بعض النتائج خالف استطلاعات الرأي، إذ تُظهر النتائج ما قبل النهائية أن أحزاب «ميرتس» و«العمل» والصهيونية الدينية و«أزرق أبيض» نال كلّ منها ما بين 6 و7 مقاعد، بعدما كانت تتوقع الاستطلاعات إمكان ألّا ينجح بعضها في تجاوز نسبة الحسم.
في ما يتعلّق بالأحزاب العربية، صار من المؤكد أن تمثيلها تراجع إلى نحو عشرة مقاعد بعدما كان 15، وهذا يؤدي بالضرورة إلى توزيع الفارق على الأحزاب اليهودية. لكن الأكثر أهمية أن نسبة مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات تراجعت بصورة ملحوظة في هذه الانتخابات. ويعود ذلك إلى حالة الإحباط من عدم تسجيل أيّ إنجاز في ما يتعلّق بإطاحة نتنياهو أو تحقيق آمال كان يعقدها المجتمع الفلسطيني على ممثّليه، وأيضاً من الانقسام الذي شهدته «القائمة العربية المشتركة» إلى كتلتَين، على خلفية تناغُم «القائمة العربية الموحدة»، التي كانت جزءاً من «المشتركة»، مع الغزل الذي اعتمده نتنياهو إزاء العرب، في محاولة لكسب تأييد فئات منهم.

فوز اليمين هو السيناريو الطبيعي والأكثر تناسباً مع الواقع الإسرائيلي


مع ما سبق، ينبغي التشديد على أن فوز معسكر اليمين لم يكن مفاجئاً، بل كان السيناريو الطبيعي والأكثر تناسباً مع الواقع الاجتماعي الإسرائيلي. والأمر نفسه ينسحب على استبعاد أن يتمكن أيٌّ من منافسي نتنياهو من داخل اليمين وخارجه من أن يشّكل نداً له، وإنما راوحت السيناريوات ولا تزال بين حكومة برئاسته، بغضّ النظر عن التفاصيل والآليات، والتدحرج نحو انتخابات خامسة. وما ينبغي تأكيده أن دوامة الانتخابات التي دخلت فيها إسرائيل منذ سنتين، وإن تمحورت حول شخص نتنياهو بين من يدعمه ويعارضه، تظهر قراءة معمّقة حولها وللمشهد الإسرائيلي عامة أن الأزمة انعكاس لمجموعة من المتغيّرات والعوامل العميقة والبنيوية التي نضجت وتطوّرت خلال عقود، ومن أهمها التحوُّلات الديموغرافية والاجتماعية خلال العقود الأخيرة. فقد بدأ كيان العدو كمجتمع يهيمن عليه جيل مؤسّس علماني ــ أشكنازي ــ عمالي، لكن تنوّع مصادر الهجرة، إضافة إلى ديناميات داخلية، أدّى إلى صعود قوة الجماعات التي كانت على هامش المجتمع، من شرقيين وسكان مدن التطوير و»الحريديم» والمستوطنين والمتدينين، وهو ما ينسحب على مَن تبقّى من الفلسطينيين بعد عمليات التهجير التي شهدتها فلسطين عام 1948.
هذا الواقع تَغيّر تدريجياً مع الهجرات المختلفة، بدءاً من الدول العربية والإسلامية، ثمّ من دول الاتحاد السوفياتي السابق، كما تزايدت أعداد «الحريديم» نتيجة ارتفاع معدّل الولادة في أوساطهم، وتبلور كتلة المستوطنين بعد احتلال 1967 وتضخّمها عددياً وسياسياً. على خلفية هذه التحوُّلات، لم تعُد هناك كتلة تمثل أغلبية كما كانت الحال مع إقامة إسرائيل، بل تشكّلت نواة صلبة متصاعدة للأحزاب اليمينية تتمثّل في اليهود الروس والمستوطنين و»الحريديم»، إضافة إلى التيار الديني الصهيوني، لتصير الانتخابات في جوهرها أقرب ما تكون إلى تنافس داخل معسكر اليمين نفسه، وتتنقل الأصوات بين الأحزاب اليمينية نفسها، ومن غير المتوقع وفق كلّ السيناريوات في المدى المتوسط تبلور حكومة وسطية أو يسارية، لكن السؤال وفق أيّ نسخة يمينية وبرئاسة مَن؟



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا