عمّان | في لقاء متوقع جمع الفرحين بانتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، أعاد الثنائي عبد الله الثاني ومحمود عباس ترتيب أوراقهما استعداداً لعرضها على واشنطن خلال أقلّ من شهرين. رسائل حسن النيّات وصلت بوضوح، سواءً بالانفتاح على «المُطبّعين الجدد» أو بعودة «التنسيق الأمني» من دون أيّ ضمانات أو حتى مكاسب. وعمّان، كما رام الله، معنيّة بالعودة إلى «المربّع المريح» (Comfort Zone)، حيث عبء ما تبقّى من «الصراع» أقلّ ما يمكن، ومن ناحية أخرى «المساهمة» الإقليمية للإدارة الأميركية الجديدة في تحسين صورة الولايات المتحدة في الخارج بعد سجلّ إدارة ترامب.

أدركت عمّان مبكراً أن وضعها في القدس المحتلة، الملفّ الأخطر لها، يحتكم إلى لاعبين عرب جدد. فمع التطبيع الإماراتي وتسيير الرحلات من أبو ظبي إلى تل أبيب علنياً، إضافة إلى الحديث عن رحلات سياحية، سيكون الحرم القدسي وجهة سياحية تحظى بأولوية ليس للبحرين والإمارات فقط، بل ربّما يشمل الأمر دولاً إسلامية أخرى، ولا سيما مع موقف الأمين العام لـ«رابطة العالم الإسلامي»، محمد العيسى، الذي بدأ مغازلة منظمات يهودية ولقاءها. هنا، ستلعب عمّان على وتر المشاركة بدلاً من الاستنكاف لتحقيق مكسب معنوي على أقلّ تقدير، عدا الاحتفاظ بالوصاية الهاشمية على الحرم ولو كانت صورية. والتوقيت الحالي هو الأفضل لعمّان، إذ إنها تسبق الرياض بخطوة عبر تقاربها مع أبو ظبي، خاصة أنه بين السعودية والإمارات تَرجح كفة الثانية التي لا تحيط بها «هالة قدسية» بوصفها «خادمة الحرمين الشريفين». وبغضّ النظر عن الموقف المصري أثناء ولاية ترامب، حيث كانت القاهرة أقرب إلى إدارته من دول الطوق الأخرى، فإن عباس وعبد الله لا يستغنيان عن «الشقيقة الكبرى»، وسيسعيان إلى الانفتاح عليها، ولا سيما في ظلّ الحلف المصري الكامل مع السعودية.

عبّاس متأهّب لعودة سلطته إلى الواجهة وصياغة المرحلة المقبلة


هكذا، ستكون المرونة الأردنية في أوجها خلال المرحلة المقبلة، فيما ستقبل المملكة ربّما بأيّ مخرج تقترحه إدارة بايدن. أما عبّاس، فمتأهّب لعودة سلطته إلى الواجهة، وهو يسعى من خلال زيارته، كما تنقل مصادر، إلى تشكيل رؤية عربية للتعامل مع المكتب البيضاوي الجديد وشكل العلاقة تبعاً لذلك مع تل أبيب. كذلك، قد يدعو «أبو مازن» إلى «مؤتمر سلام دولي» يُعقد منتصف العام المقبل. وعلى المقلب الآخر، يريد طرح ورقة لمساعدة القاهرة والرياض في الملفات المقلقة مع إدارة بايدن، كقضايا حقوق الإنسان لمصر، ومقتل جمال خاشقجي للسعودية. أما في ملف المصالحة، فبعد المماطلة التي أبدتها السلطة لكسب الوقت إلى حين جلاء نتيجة الانتخابات الأميركية، فإن رئيسها سيطعن بـ»نعومة» في «حماس» بدعوى تعنّت الحركة في الحوارات التي أجريت في إسطنبول والدوحة والقاهرة، مع إعادة ملف غزة إلى القاهرة للتعامل معها بعيداً عن قطر، وهذا يضمن لمصر دوراً لا غنى عنه في استقرار القطاع.
في هذا الوقت، لا يبدو بايدن المشغول في ترتيب مكتبه مهتمّاً كثيراً بالسجال الدائر في الأردن وفلسطين عن أصول ريما دودين التي اختارها نائبة لمدير مكتب الشؤون التشريعية في البيت الأبيض. ودودين الأردنية - الفلسطينية تعيد إلى الذاكرة سيرة جدّها مصطفى دودين الذي كان وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة وصفي التل عام 1971، عدا عضويته في مجلس «أعيان الملك» حسين في العام نفسه، وتاريخه من قبل ذلك مديراً للتموين والاستيراد إلى قطاع غزة (1949)، ومديراً للجوازات والسفر (قطاع غزة 1953). كما كان مديراً للشؤون المدنية في إدارة شؤون فلسطين بالقاهرة (1961).
هذه السيرة الذاتية التي رحّب بها الأردنيون والفلسطينيون غاب عنها تذكّر دور الجدّ في «رابطة القرى» التي حاول الاحتلال فرضها بديلاً من المجالس البلدية المنتخبة آنذاك، حين منح مناحم ميلسون، الذي كان مستشار الشؤون العربية في الحكم العسكري الإسرائيلي، صلاحيات واسعة سياسية وخدمية واقتصادية لمصطفى دودين، لتكون الروابط حاكماً باسم العدو وبديلاً حقيقياً من المجالس البلدية والقروية التي لم تكن تخضع لرؤية إسرائيل، وهو نفسه مَن وافق على حمل هذا الملف في 1979.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا