رام الله | لم يمرّ أسبوعان على رحيل «كبير المفاوضين» الفلسطينيين، صائب عريقات، حتى بدأت معركة حامية للفوز بمنصب أمانة سرّ «اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير»، والذي كان يشغله الراحل. وعلى ما يبدو، لا تشبه هذه المواجهة ما سبق من توقعات حول مرحلة ما بعد رئيس السلطة محمود عباس، إذ إنها تجري بوجوده، ولذلك يعيش عباس، كما تنقل مصادر في «فتح»، «موقفاً لا يُحسد عليه» من أجل اختيار خليفة للمنصبين «الشديدَي الحساسية»، وخاصة أن أمانة سرّ المنظمة تشمل مستقبلها ومستقبل السلطة، كما لا يقلّ المنصب التفاوضي أهمية على رغم تعثر المفاوضات مع العدو الإسرائيلي منذ 2014.

وأمانة سرّ المنظمة منصب يؤهّل صاحبه لأن يكون خليفة لعباس، سواء مؤقتاً أو دائماً، و«أبو مازن» نفسه كان يشغل هذا المنصب قبل توليه الرئاسة، وبرحيل ياسر عرفات صار رئيساً للسلطة، وحلّ محله ياسر عبد ربه (من «الجبهة الديموقراطية»)، قبل أن يُقصى الأخير بسبب ميوله إلى القيادي المفصول من «فتح» محمد دحلان، وتُسند مهماته إلى عريقات الذي كان أيضاً عضواً في «اللجنة المركزية لفتح». ويُشترط للفوز بمنصب أمانة السرّ أن يحظى المرشّح بتوافق «اللجنة التنفيذية» للمنظمة، أي أن يكون من أعضائها. كذلك، يُعدّ القرب أو البعد من رئيس السلطة شرطاً هو الأهم، إضافة إلى المواقف السياسية أو التنظيمية.
منذ نحو أسبوع، تتداول المواقع "الفتحاوية" أسماء مرشحة للفوز بالمنصب، كما دخل على الخطّ الإعلام العبري بحديثه عن احتمال ترشيح عضو «المركزية لفتح» روحي فتوح. لكن مصادر فلسطينية تقول إن المرشحين الأبرز هم نائب رئيس الوزراء ومستشار الرئيس زياد أبو عمرو (مستقل من غزة)، ووزير التنمية الاجتماعية أحمد مجدلاني، ورئيس «الهيئة العامة للشؤون المدنية» حسين الشيخ، في حين أن رئيس جهاز المخابرات، ماجد فرج، يبدو اسماً مطروحاً لتولي ملف المفاوضات مع العدو كونه الأكثر قرباً من عباس. مع هذا، ترفض مصادر أخرى الخوض في الأسماء لأنها كلّها «تكهنات»، مستدركة بأن بين المذكورين اثنين هما الأوفر حظاً (مجدلاني وأبو عمرو). وتقول: «الرئيس يحبّهما كليهما وهما عضوان في اللجنة التنفيذية (للمنظمة)... إذا قررت السلطة الانتظار حتى انعقاد المجلس المركزي، من حق فتح (وفقاً للوائح الداخلية للمنظمة) أن ترشّح اسماً من لجنتها التنفيذية وقد تختار فتوح». وحول الشخصية الأكثر ملاءمة لمتطلّبات المنصب، تقول هذه المصادر: «من حيث الإمكانيات أبو عمرو ومجدلاني إدارياً ومهنياً يليقان بالمنصب، لكن أمين سرّ اللجنة التنفيذية يُنظر إليه عادة من ناحية سياسية، والاثنان لا ينفعان لأنهما ليسا من فتح ولا يصلح أيّهما أن يكون وريثاً لرئيس المنظمة». وعن إمكانية أن تشغل شخصية واحدة المنصبين (أمانة سرّ المنظمة، وقيادة المفاوضات)، تجيب المصادر: «لا يبدو أن هذا السيناريو سيتكرّر».

ثمة شغور في منصبين: رئاسة المفاوضات وأمانة سر المنظمة


إلى جانب أسهم فرج العالية لمنصب «كبير المفاوضين» على رغم صعوبة تخلّيه عن إدارة المخابرات، ثمّة ترجيح بتولّي أبو عمرو هذه المهمّة، كونه قريباً من عباس ويتحدّث الإنكليزية بطلاقة، وأيضاً يحمل الجنسية الأميركية مثل عريقات، إضافة إلى كونه عضواً في «اللجنة التنفيذية للمنظمة»، وهذا شرط أساسي لتولّي دائرة مركزية كشؤون المفاوضات. لكن المصادر نفسها تؤكد أن دائرة المفاوضات مع إسرائيل «ليست منصباً مغرياً للقيادات الفلسطينية، لأن هذا المنصب يتطلّب تواصلاً مباشراً مع تل أبيب ومزيداً من النقد والفشل».
أمّا عن سيناريو ترشيح أحد من خارج «اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير» لمنصب أمانة السر، مثل فرج أو الشيخ، فإن هذا ليس صعباً على رئيس السلطة المستأثر بغالبية القرارات؛ إذ يكفي أن يدعو عباس إلى اجتماع طارئ للمجلس المركزي لاختيار عضو أو أكثر للجنة. وسط ذلك، يرى كثيرون أن «أبو مازن» سيُبقي المنصبين شاغرين حتى يتسلّم جو بايدن منصبه رسمياً وتبدأ العملية السياسية، مع الجزم بأن اختياره عضواً مستقلاً من «التنفيذية» أو "فتحاوياً" شرطه الأساسي ألّا يؤثر هذا الشخص في رئاسة السلطة أو أن يمثل وريثاً حالياً. كما لا تستبعد مصادر متقاطعة أن يكون طرح كلّ الأسماء حالياً مجرّد بالون اختبار، وخاصة أن اسماً مثل الوزير مجدلاني يحتاج إلى توافق اللجنة التنفيذية.
إلى جانب الأسماء السابقة لكلا المنصبين، رشَحت حظوظ ضعيفة لوزير الخارجية الأسبق، ناصر القدوة (من داخل «فتح»)، وصالح رأفت وهو عضو المجلسين الوطني والمركزي للمنظمة (من خارج «فتح»). لكن التساؤل الأهمّ، هل ستقبل الفصائل أن تستحوذ «فتح» برئاسة عباس على موقع أمانة السر ورئاسة المنظمة؟ وما مصير المصالحة المتعثّرة، وخاصة أن تاريخ المفاوضات مع العدوّ لم يترك بصيصاً للاقتناع بجدوى الأمر والمنصب معاً؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا