رام الله | «حومش»، «كاديم»، «جانيم»، «صانور»، هي أربع مستوطنات أخلاها جيش العدو الإسرائيلي ومستوطنوه إضافةً إلى معسكر «ترسلة»، وجميعها تتبع لمحافظة جنين عدا «حومش» التي تعود ملكية أراضيها إلى أهالي بلدة بُرقة شمال غرب نابلس، والاثنتان شمال الضفة المحتلة، إذ جرى إخلاء هذه المستوطنات تزامناً مع انسحاب العدو من مستوطنات قطاع غزة قبل 15 سنة، ولم تكن ذكراها بعيدة عن هذه الأيام. «كاديم» مثلاً، شهدت قبيل الإخلاء 13 عملية قنص لمستوطنين من النوافذ، وفقاً لتأريخ الشهيد باسل الأعرج، لكن مع انخفاض حدة المقاومة بدأ المستوطنون محاولة العودة بين مدة وأخرى إلى المستوطنات المُخلاة، وهو ما يمثل دليلاً على جدوى الانتفاضة الثانية وليس العكس، كما شرح الأعرج لمجموعة طلاب يوماً ما.

تمتاز المستوطنات المُخلاة بموقع استراتيجي وبإطلالات جميلة وجغرافيا مميزة، فمنطقة السويطات الحرجية شكّلت ملاذاً لمئات المُستجمين، مكان «جانيم» و«كاديم» سابقاً، كما أن «حومش» تكشف أكثر من نصف الساحل الفلسطيني المحتل. عقب الانسحاب، صاغت البلديات الفلسطينية خططاً لإحياء المستوطنات المُخلاة بإنشاء مرافق سياحية وصحية، لكن العدو أبلغ السلطة الفلسطينية أن هذه المناطق ستبقى مصنفة «ج» ومن صلاحياته. لم تقتصر محاولات المستوطنين للعودة على الهجمات والاعتداءات المتكررة على الأرض، بل تكررت محاولات رسمية لشرعنة الاستيطان فيها، إذ قدم أعضاء في الكنيست مشروع قانون لإلغاء الانسحاب. وفق صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، قُدّم مشروع قبل شهرين لرفع القيود رسمياً وتسهيل حركة المستوطنين هناك. وأصلاً منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب «صفقة القرن»، قاد رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة، يوسي داغان، حملة تطالب بالعودة إلى «حومش» وبقية المستوطنات المُخلاة.

صدّق نتنياهو على 5000 آلاف وحدة استيطانية جديدة


تقول مصادر محلية في بلدة بُرقة إن 2011 شكّل علامة فارقة في اعتداءات المستوطنين على الأراضي التي كانت تجثم عليها «حومش»، إذ تكثفت اعتداءات المستوطنين بحراسة جيش العدو، وتخللها إحراق الأراضي التي جرى استصلاحها طوال سنوات منذ الانسحاب، إذ نجح المستوطنون في إحراق غالبية هذه الأراضي. وعلى الطريق بين شمال غرب نابلس (من مفترق بُرقة تحديداً) إلى بلدة سيلة الظهر (جنوب جنين)، شنّ المستوطنون سلسلة اعتداءات منذ إعلان الصفقة، تنوعت بين إلقاء الحجارة على المركبات المارة، والهجوم على منازل في أطراف بُرقة، والعودة بمسيرات استفزازية إلى مناطق المستوطنات سابقاً. بحسب إحصائية خاصة وصلت «الأخبار»، تعرضت بُرقة ومزارعوها والمركبات الفلسطينية لثلاثة اعتداءات خلال الأسبوع الماضي، نفذها مستوطنون في مجموعات، فيما لم يمر شهرٌ واحدٌ منذ بداية العام الجاري من دون تسجيل هجوم للمستوطنين في محيط «حومش»، بمتوسط يصل شهرياً إلى ثلاثة اعتداءات، وهو ارتفاع غير معهود منذ إخلاء المستوطنة.
العارفون بالمنطقة يقولون إن «حومش» تُشكل الحلقة الأضعف، وهذا ما يفسر تكثيف اعتداءات المستوطنين هناك، بخلاف المستوطنات المُخلاة الأخرى القريبة نسبياً من أماكن سكن الفلسطينيين، فضلاً عن استراتيجية موقع «حومش» الواصل بين محافظتين، مع غياب لمناطق «أ» ملاصقة، ما يسّهل فرار المستوطنين عقب الاعتداءات. وثمة حديث شهير للأعرج عن هذه المستوطنات ونموذج «ريف جنين» في دحر الاستيطان، حين قال: «من شافي شمرون قرب دير شرف حتى بداية ريف جنين لا يوجد مستوطنات، (كلها) جرى إخلاؤها تحت ضغط نموذج ريف جنين المقاوم». لكن كان لذلك ثمن كبير دُفع مرتين، الأولى في الثورة الكبرى عام 1936 حين كانت المنطقة «مثلث نار حقيقياً» ومنعت الاستيطان اليهودي، وبعد نحو 70 سنة استفاد أهالي ريف جنين من هذا الإرث المقاوم، فـ«كل ثمن تدفعه بالمقاومة إذا لم تأخذه في حياتك تأخذه لاحقاً. المقاومة جدوى مستمرة».
إلى جانب هذه الاعتداءات، صدر قرار إسرائيلي آخر قبل نحو أسبوعين بالاستيلاء على أراضي معلمين أثريين هما دير قلعة ودير سمعان في بلدتي دير بلوط وكفر الديك غرب سلفيت (وسط). ورغم أن المستوطنات تحيط بالمنطقتين الأثريتين وتحاصرهما، إضافة إلى وقوعهما في مناطق «ج»، يمثّل القرار الأخير شرعنة رسمية وفرض وصاية على هذه المعالم الأثرية وتزويراً لتاريخها والحضارات القديمة المتعاقبة عليها، كما يقول مراقبون، كما أنه يحول دون عودة الفلسطينيين نهائياً إليها مقابل تسهيل وصول المستوطنين. ومن جهة أخرى، كشف موقع القناة الـ7 العبرية أن رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، صدّق على بناء خمسة آلاف وحدة استيطانية جديدة في العشرات من مستوطنات الضفة بعد انتهاء «الأعياد اليهودية» بداية الشهر المقبل، ما يشي بحملة حثيثة ربما تنتهي بعد وقت قريب إلى إعلان أن الضم نُفّذ تدريجياً وبحكم الأمر الواقع... مع غياب المقاومة، ولا سيما بالبنادق.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا