رام الله | «العدو لا يعفو عن الثوار، بل الثوار مَن يملكون حق العفو عن العدو». هكذا علّق الشهيد أحمد البلبول على قرار العدو وقف ملاحقة مئات الكوادر في الأجنحة العسكرية للمقاومة الفلسطينية في الضفة المحتلة. لكن البلبول، الذي تعرّض لملاحقة شرسة من قِبَل الاحتلال نهاية العام 2007، فاته ربّما أن «ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة»، ليلقى شهادته وسط مناطق «أ». بعد تلك السنوات، تَأكّد المقاومون من أن «عفو» العدو عن المطلوبين له لم يكن إلّا فخّاً للقضاء على آخر جيوب المقاومة في الضفّة. وَقَع مئات المطاردين في الفخ لاعتبارات كثيرة، أهمّها فقدانهم الغطاء من فصائلهم، التي وجدت نفسها معزولة بفعل الضربات الإسرائيلية المتكرّرة من اغتيالات واعتقالات.

يقول أحد المطلوبين السابقين في الانتفاضة الثانية، لـ«الأخبار»، إن العدو أحكم قبضته على الضفة عقب قبول السلطة إنهاء الانتفاضة واستئناف المفاوضات ومسيرة التسوية (2002 - 2005)، ما جعل المقاومين المتبقّين بين نارَين: أمن السلطة، وأمن العدو. هكذا، غابت منطقة وسط الضفة عن مشهد نهاية الانتفاضة، فيما بقي المطارَدون في الشمال (نابلس) والجنوب (بيت لحم). في نابلس، انقسمت مجموعات المطارَدين الأخيرة إلى ثلاث جبهات: الأولى في مخيم عين بيت الماء وتَصدّرتها «كتائب أبو علي مصطفى» (الجبهة الشعبية) وأفراد من «كتائب القسام» (حماس)، والثانية في البلدة القديمة وتَتمثّل في مجموعة «فارس الليل» التابعة لـ«كتائب شهداء الأقصى» (فتح)، والثالثة داخل مخيم بلاطة وقادها الشهيد هاني الكعبي من «شهداء الأقصى».
الكعبي كان «آخر الفرسان» الذين رفضوا تسليم سلاحهم أو الحصول على «عفو»؛ إذ لم تُفلح تهديدات محافظ نابلس آنذاك، جمال محيسن، في إيقافه، حتى ارتقى شهيداً برصاص العدو. كما أُسِر مقاومون من «سرايا القدس» (الجهاد الإسلامي) خلال الحادثة نفسها في نيسان/ أبريل 2008. أما «فارس الليل» في البلدة القديمة فأُنهكت إثر اغتيال العدو قائدها الشهيد باسم أبو سرية (القذافي). وفي أعقاب اشتباكات متتالية للمجموعة مع أمن السلطة وإصابة عدد من المقاومين، قَرّر المطارَدون تسليم أنفسهم مقابل وعود بالعفو عنهم ووقف ملاحقتهم، شريطة بقائهم في مقرّات أمن السلطة. بذلك، تَبقّى بعض مطارَدي «القسام» والعدد الأكبر من مقاومي «الشعبية» داخل عين بيت الماء، حيث نجحوا في تنفيذ عمليات مشتركة ضدّ العدو خلال اقتحامه المخيم بحثاً عنهم، لكن سرعان ما شنّ جيش الاحتلال حملة كبيرة عليهم ليرتقي منهم شهداء ويقع القسم الأكبر أسيراً.

أكثر المتضرّرين من المطلوبين هم مَن شملهم «العفو الجزئي»


في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، نقلت وكالة «معاً»، المقرّبة من السلطة، عن مصدر في أمن السلطة أن الأخيرة لا تحاصر مخيم العين، لكنها «تفرض حصاراً على مجموعة تُخلّ بالنظام، وسيستمرّ الحصار حتى يستسلموا»، ثمّ تَبيّن أن رام الله اعتقلت في هذه الحملة أربعة من «الشعبية» وخامساً من «الأقصى». لاحقاً، في نيسان/ أبريل 2009، وفي ذلك المخيم نفسه، وجد المطارَد جاد حميدان (قائد «أبو علي مصطفى») نفسه وحيداً بعد استشهاد مَن حوله أو اعتقالهم، فاضطرّ إلى تسليم نفسه مُكرَهاً لسجن «الجنيد» التابع للسلطة، قبل أن ينقل إلى مقرّ «الاستخبارات العسكرية» الفلسطينية، حيث لا يزال هناك حتى الآن. وفق مقرّبين منه، خاض حميدان إضراباً عن الطعام عام 2016 لأنه ضاق ذرعاً باحتجازه وحرمانه حياته الطبيعية، لكن الإضراب لم يُثمر سوى وعود بتحسين ظروف احتجازه في الاستخبارات، فيما لم تُناقش السلطة المسألة الأساسية وهي الإفراج عنه. أيضاً، أحمد المشعطي، من قرية دير الحطب شرقي نابلس، قاد «كتائب أبو عليج» عقب خلوّ الساحة من حميدان، لكنه تَعرّض للملاحقة إلى أن اعتقله أمن السلطة عام 2010 من محلّ تجاري وسط نابلس، ليخوض إضراباً عن الطعام قبل عامين. وفي الحالات جميعها، لا تفتأ السلطة تتحدّث عن تحسين ظروف معيشة هؤلاء، لكن من دون إيجاد حلّ لقضيتهم، وفي ظلّ رفض مستمرّ لإطلاق سراحهم.
حميدان والمشعيطي ليسا الوحيدين المطلوب رأساهما للعدو، ففي بيت لحم مجموعة من المطلوبين هم: شادي أبو جلغيف (والده أحد مبعدي كنيسة المهد إلى غزة)، وهادي دعدرة ومحمد رمضان. لكن الأخيرين فوجئا، خلال تموز/ يوليو 2011، بإلغاء «العفو» عنهما وعودتهما إلى قوائم المطلوبين. ودعدرة، المُلقّب بـ«الشيشاني»، هو مرافق قائد «شهداء الأقصى» في جنوب الضفة، الشهيد أحمد البلبول، الذي بقي متمسكاً بسلاحه حتى الرمق الأخير ورفض تسليم نفسه ليرتقي مع مجموعة من «سرايا القدس» عام 2008، هُم: محمد شحادة وعيسى مرزوق وعماد الكامل، حين أطلقت قوة خاصة إسرائيلية النار بكثافة على مركبتهم.
يقول مصدر أمني في السلطة، لـ«الأخبار»، إن «العدو يرفض نهائياً الإفراج عن المطارَدين المحتجزين... مجرّد مغادرتهم للمقرّات الأمنية يعني اغتيال العدو لهم أو اعتقالهم»، مضيفاً: «نسمح لهم بالاتصالات مع عائلاتهم دائماً وهم يعيشون بيننا كإخوة». يضيف المصدر أن عشرات المطارَدين مكثوا داخل المقرّات لمدد متفاوتة، وحصلوا على «عفو جزئي» من العدو شريطة مبيتهم داخل المقرّات ليلاً، ثمّ نالوا «العفو الكامل»، وهناك مَن تمّ تفريغهم (أصبحوا عناصر في أمن السلطة)، مستدركاً: «العدو يماطل بخصوص المحتجزين المتبقّين».
بداية الشهر الجاري، تَجرّع المطارَد دعدرة كأساً مرّة إضافية، بتلقّيه ضربة لا تقلّ قساوة عن وجوده في سجن فلسطيني لأنه قاوم العدو، إذ فقَد والده الذي فارق الحياة بعد إصابته بفيروس كورونا، ليؤمّ المطلوب صلاة الجنازة على جثمان أبيه في ساحةٍ داخل مقرّ «الأمن الوقائي»، حيث يمكث منذ 2011. فكم من عزيز على «الشيشاني» ورفاقه يجب أن يفقدوا حتى تُحسم قضيتهم، وهل ستبقى السلطة تحتجزهم حتى مع إعلانها وقف «التنسيق الأمني»؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا