رام الله | لم تنجح السلطة الفلسطينية وحركة «فتح» في الحشد الجماهيري لمواجهة مخطط ضم الضفة المحتلة. فبعدما صار «وقف التنسيق الأمني والاتفاقات» ورقة محروقة، ومع الالتفاف الإسرائيلي على بعض خطوات «الحرد»، لجأ رئيس السلطة محمود عباس إلى تنظيم بعض الفعاليات، ونجح إلى حدّ ما في تنظيم احتجاج هو الأكبر وسط رام الله، لكن سرعان ما تراجع المدّ الشعبي لأسباب كثيرة، أبرزها وباء كورونا الذي عاد ليجتاح الضفة. ومع غياب التأثير الفعلي لهذه الفعاليات، وجد أبو مازن في «حماس» فرصة لمحاولة زيادة الضغط على إسرائيل، لكن ليس كخيار للمواجهة، إذ إن تصريحات كثيرة لقادة السلطة و«فتح» تجمع على أن المشكلة مع العدو والولايات المتحدة الآن هي مخطط الضم، وفي حال إيقافه، يمكن استئناف المفاوضات!

تسير الآن رام الله بورقة التقرب من «حماس» بعد قطيعة منذ إخفاق جلسات المصالحة الداخلية قبل نحو سنة. هكذا، فوجئ الناس بمؤتمر مشترك للقيادي في «فتح» جبريل الرجوب، وفي «حماس» صالح العاروري، عبر شاشة «تلفزيون فلسطين» الرسمي، الأمر الذي لم يحدث منذ سنوات طويلة. رغم جمالية المشهد وطنياً، فإن سقف آمال الفلسطينيين كان منخفضاً بشأن جدوى اللقاء، بعد تجربة طويلة من جلسات المصالحة الفاشلة. صحيح أن كلا الفصيلين يبدي إيجابية بشأن اللقاءات والاتصالات، ويجمعان على «خطورة المرحلة ووجوب التصدي»، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة، عنوانها مثلاً «انتهاء أوسلو»، كما يقول مراقبون. مع ذلك، تتجه الأنظار إلى «مهرجان مركزي» ضد الضم سيقام في غزة بدلاً من البيرة، بسبب تفشي كورونا في الضفّة، ومن المقرر أن يلقي عباس، ورئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، كلمتين خلاله، بحضور مختلف الفصائل.
لكن الاختبار الأهم هو إرخاء قبضة السلطة الأمنية عن «حماس» في الضفّة، الأمر الذي لم تظهر ملامحه، خاصة أن مثل هذه الخطوة ستهدد أمن العدو الإسرائيلي، ولذلك التحليل الأقرب إلى الواقع هو أن السلطة تطمح إلى تحويل حماس إلى «فزاعة» للاحتلال. في المقابل، تبدو الحركة واعية لهذا السلوك، فجعلت سقفها مع السلطة على قاعدة المقاومة الشعبية في هذه المرحلة، وهو المعلن فوق الطاولة. يكشف مصدر فصائلي أن «لدى حماس فرصة للتحرك جماهيرياً في الضفة، رغم محاولة العدو تنفيذ ضربات استباقية، مثل اعتقال حسين أبو كويك وعدد من قيادات الحركة قبل أيام. هذه الفرصة متوافرة أمام الحركة إذا قررت ذلك ومنحت ضوءاً أخضر لكوادرها بالتحرك، لكن من دون ملاحقة السلطة، خاصة مع تحرر عدد من القيادات الميدانية والوازنة مثل حسن يوسف (أفرج عنه أمس)». يضيف المصدر: «محافظات الخليل ونابلس ورام الله معاقل ارتكاز لحماس، وهي الأقدر على الحشد وفقاً لتجربة ما بعد 2006». والسيناريو الحالي، طبقاً لقوله، لا يعدو خطوات احتجاجية في مراكز المدن، لكن «إذا تنفّست حماس في الضفّة، فبإمكانها توجيه ضربات عسكرية».

السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أرخت السلطة قبضتها عن «حماس» في الضفة


كان لافتاً تصريح العاروري خلال المؤتمر مع الرجوب: «أقول لشبابنا: تحركوا ولا تنتظروا الأوامر من أحد»، ما يعطي إشارة إلى اتفاق مع «فتح» على المقاومة الشعبية بالحد الأدنى. وإلى أن يظهر موعد جديد، يبحث أبو مازن عن طريقة للنزول عن الشجرة، لكن من دون هدم السلطة وتنفيذ مخطط الضم وإعلان إسرائيل ذلك رسمياً. ومن المؤشرات السلبية أن السلطة لم تغير سلوكها الداخلي. حتى في ملفات أخرى، تواصل قمعها الأمني، وآخر ذلك حملة اعتقالات لمحتجين ضد الفساد. «مسرح جريمة... ممنوع الاقتراب»، لعل هذا الشريط اللاصق ذا اللون الأصفر الذي أحاط به أمن السلطة دوار المنارة أصدق تعبير عمّا جرى الأحد الماضي، حين منعت وقفة ضد الفساد وسط رام الله، لعدد من الحراكات الشعبية، واعتقلت 20 ناشطاً بمجرد وصولهم، ثم اعتقلت الناشط محمد القروي في رام الله وصهيب زاهدة في الخليل (أُفرج عنه لاحقاً)، كما حاولت اعتقال الناشط الشهير نزار بنات، لكنه لم يكن في منزله. والتهم الموجهة كانت «التجمهر غير المشروع ومخالفة أنظمة الطوارئ»، الأمر الذي سبق أن حذرت منه مؤسسات حقوقية مع إعلان السلطة «الطوارئ» قبل أشهر لمواجهة «كورونا».
بعد يومين من قمع الوقفة، حاول الحراك الشعبي النهوض مجدداً بتنظيم وقفات احتجاجية في كل من: دوار ابن رشد في الخليل، وميدان الشهداء وسط نابلس، ودوار المنارة وسط رام الله، لكن الأجهزة الأمنية انتشرت في المنارة وابن رشد واستبقت الاحتجاجات. أما في نابلس، فالحراكات ضعيفة بحكم الثقل الأكبر للحراكات جنوبي الضفة وفي رام الله فقط. ونقلت مؤسسات حقوقية أن عدداً من المعتقلين شرعوا في الإضراب عن الطعام، وبعضهم يعاني من أمراض مزمنة، مثل فايز السويطي وجهاد عبدو، لكن النيابة العامة ثم محكمة الصلح في رام الله مدّدتا اعتقالهم. وهنا يطرح السؤال: إن كانت السلطة تغض النظر عن بعض المعارضين في قضايا اجتماعية وداخلية، في حين أن حملة الاعتقالات الأخيرة كشفت عن تقليص دائرة الحرية لهؤلاء رغم أنهم لا يمتلكون قواعد شعبية كبيرة مثل الفصائل، فكيف سيكون الأمر إذا قررت «حماس» التحرك، خاصة أن حساسية المشهد السياسي و«كورونا» جعلتا رام الله تشدد قبضتها على أي شخص أو هيئة تستطيع تحريك الشارع، خاصة مع عدم انتظام الرواتب.
مع ذلك، يقول مصدر من «الحراك الفلسطيني الموحد»، إن دخول «حزب التحرير» على خط هذه الحراكات «أصابها في مقتل وجعلها عرضة للملاحقة». وتعود بداية هذه الحراكات إلى الموجة الغاضبة ضد مشروع «قانون الضمان الاجتماعي» قبل سنوات، الذي سقط تحت الضغط الشعبي، إذ شكّل التظاهر ضده اللبنة الأساسية لمجموعة من الحراكات بقيادات مختلفة، لكنها بدأت تُجمّع نفسها بمطالب محددة، منها ما يتعلق برفض الفساد في مؤسسات السلطة، أو برفض استغلال شركات الاتصالات والإنترنت للمواطنين، وهو ما أدى إلى تصادم السلطة معهم.