حاول مكتب رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تبرير مرور الأول من الشهر الجاري دون إعلانه ضم الضفة المحتلة، بالقول إن نتنياهو «يواصل المداولات مع الأميركيين... أجرى اليوم (أمس) نقاشاً مع رئيس مجلس الأمن القومي والقيادة الأمنية ضمن سلسلة مداولات حول الموضوع. وفي الأيام المقبلة، ستجرى مداولات إضافية». هذا البيان يعني ضمناً أن شروط تنفيذ الضم الداخلية والخارجية لم تنضج، على الأقل من منظور إسرائيلي. الواضح حتى الآن أن مجرى الأحداث لم يتحرك في المسار الذي خطط له نتنياهو، فقد كان يسعى لأن يكون أمس يوماً تاريخياً يسجل فيه اسمه إلى جانب بن غوريون الذي أسس إسرائيل، في حين أنه من نجح في ضم أجزاء كبيرة من الضفة المحتلة إليها، وهي المنطقة التي لها موقعها التاريخي والأيديولوجي في الوجدان الصهيوني، فضلاً عن أبعادها الاستراتيجية للكيان. لكن المستجدات الأميركية والانقسام الحاد حول القضية وارتفاع المخاوف من تداعيات هذه الخطوة فلسطينياً عوامل أدت إلى إرباك المسار ودفعه باتجاهات مغايرة. حتى في التأجيل، حرص نتنياهو على أن يبدو أنه صاحب القرار الحاسم، ولذلك رفض موقف شريكه المنافس، بيني غانتس، أن الأول من تموز/ يوليو «ليس تاريخاً مقدساً»، بل أوضح أن الموضوع ليس مرتبطاً بحزب «كاحول لافان»، وأنهم ليسوا الجهة التي تحسم الموضوع، مع أنه سبق ومهّد للتراجع بأنه سيواصل «العمل في الأيام المقبلة»، في إشارة إلى العراقيل.

إذاً، لم تتحقق السيناريوات التي كان لكل منها أنصارها ومؤيدوها. فطرح اليمين المتطرف، الذي يطالب بضم الضفة أو مناطق (ج) التي تشكل 60%، خارج دائرة الاحتمالات المعتبرة حالياً. وتندرج المواقف التي تتصل بهذا الطرح في إطار التعبير عن الأمنيات الأيديولوجية والتكتيكات التي تتصل أهدافها بالتجاذبات الهادفة إلى الحؤول دون تعبيد الطريق لكيان سياسي فلسطيني يحمل اسم دولة حتى لو شكلية. أمر لمّحت إليه صحيفة «هآرتس» بالقول إن نتنياهو وغانتس يعلمان أن الضم «تآمر على حل الدولتين الذي لا يزال الحل الوحيد للنزاع. ثمة شك في أن نتنياهو يهمّه ذلك، لكنه مثل غانتس يدرك بالتأكيد أن الضم سيعبّد طريقاً جديداً لتحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، أو نظام أبرتهايد رسمي». يعود منشأ هذه التداعيات، كما عبرت الصحيفة، إلى أن «ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المحتلة لن يختفوا لأن نتنياهو وترامب قررا أنه يحق لإسرائيل فرض السيادة، لا اليوم ولا في الأول من يوليو بعد عشر سنوات. لا يمكن الضم دون إحراق الاحتمالات لتسوية، ولطابع إسرائيل كدولة ديموقراطية».
حتى الآن، لا يبدو أن مخطط ضم بنسبة 30%، الذي تضمّنه مخطط ترامب، على وشك التحقق، على الأقل هذا ما تشي به التقارير السياسية والإعلامية الإسرائيلية. يعود ذلك إلى المستجدات في الساحتين الأميركية والإسرائيلية، لكن الفضل أساساً للموقف الشعبي والمقاوم الفلسطيني الذي رفع مستوى القلق لدى الجهات الأمنية والسياسية في تل أبيب، وأيضاً لدى واشنطن والاتحاد الأوروبي، فدفعت الأولى إلى التريث، والثانية إلى التحذير من مخاطر الخطوة. مع ذلك، يجدر التأكيد أن المواقف الأوروبية والأميركية (المستجدة) ناتجة من المخاوف من رد الشارع الفلسطيني، وإلا لو أدركوا أن هذه الخطوة ستمر دون تداعيات، لتبدلت مواقفهم. وفق تعبير «هآرتس»، يعرف نتنياهو وغانتس «جيداً أن إسرائيل لا تستطيع ضم المناطق دون المخاطرة بنشوب ثورة فلسطينية وحريق إقليمي». لكن ما ينبغي تأكيده أن تأجيل الضم لا يعني إلغاءه، بل هو هدف صهيوني بالدرجة الأولى، وإذا ما تعثر تنفيذه حالياً، فسيبقى هدفاً يسعى إليه العدو لأنه قائم بذاته بغض النظر عن الظروف، فهو تتويج لمسار الاستيطان الذي يتطلب إضفاء الشرعية عليه في نهاية المطاف. لكن نتنياهو وجد في الموقف الأميركي والظروف العربية فرصة مثالية لتحقيق هذا الطموح في المرحلة الحالية. ولو تم في أي وقت لاحق تمرير مشروع ضم جزئي، مهما كانت نسبته وفي أي بقعة، فإن خطورته لا تقل عن الضم الواسع، لأنه يهدف إلى التأسيس لواقع سيوسعون نطاقه بما يتلاءم مع تطور الظروف، وبالإيقاع نفسه للاستيطان الزاحف، أي استراتيجية الضم الزاحف.

الضمّ هدف بذاته بغضّ النظر عن الظروف، لأنه تتويج لمسار الاستيطان


في كل الأحوال، تبقى الكلمة الفصل للشعب الفلسطيني. فلو وقف العالم بأسره إلى جانب الضم، فإن رفض الشعب الفلسطيني وترجمة موقفه عملياً كفيل بتغيير المعادلات بما فيها الموقف الدولي وحتى الإسرائيلي، لأن ما يشجع قادة الصهاينة على اندفاعهم هو تقديرهم أن ذلك يمكن أن يمر دون أثمان باهظة. أما لو تغيرت هذه التقديرات، فسيؤدي هذا إلى تعميق الشروخ داخل الساحة الإسرائيلية ويربك مخططها. وعلى المستوى الإقليمي، إن تعاظم محور المقاومة، وأولوية مواجهة هذا التعاظم لدى تل أبيب، فرصة مثالية وملائمة جداً للشعب والمقاومة للانقضاض على الاحتلال عبر جبي أثمان مؤلمة منه. في هذه الحالة، سيجد الصهاينة أنفسهم أمام سيناريو تورط في المواجهة مع الفلسطينيين مع أنه ينبغي تركيز المواجهة على التهديد الأشد خطورة في هذه المرحلة من منظورهم، أي الجبهة الشمالية، وهذا سيؤدي إلى رفع احتمالات كبح هذا المسار (الضم) تجنباً لفتح أكثر من جبهة إلى جانب التهديد المتعاظم من الشمال، الأمر الذي تشدد عليه المؤسستان الأمنية والسياسية.