طوباس | بخطوات متسارعة، يلوّح العدو الإسرائيلي بفرض سيادته على الأغوار التي تشكل ربع مساحة الضفة المحتلة. وأمام تاريخ من تهميش السلطة الفلسطينية للمنطقة، ووقوع غالبية أراضيها تحت تصنيف «ج» وفق اتفاق أوسلو، يجد فلسطينيو الأغوار أنفسهم وحيدين في مواجهة كابوس الضم، وأمام اعتداءات تضاعفت وتيرتها منذ إعلان نية العدو. منذ أيام، أعلنت رام الله تخصيصها حزمة مساعدات لسكان الأغوار، لكنها جاءت «متأخرة وغير استباقية»، إذ بدأ العدو التمهيد للضم عبر مقدمات فعلية منذ الشهر الماضي، منها: إزالة العلم الفلسطيني عن سطح مجلس قروي، وتكثيف الحواجز المفاجئة، وإزالة الإشارات التحذيرية للمستوطنين من دخول القرى الفلسطينية، بل للمرة الأولى منذ وجود السلطة تُسلّم «الإدارة المدنية» الإسرائيلية فواتير كهرباء مباشرة للمجالس القروية نهاية الشهر الماضي، مع الدعوة لتسديدها، وإلا سيُفصل التيار، وقد جرت العادة أن مستحقات المياه والكهرباء تسدّدها رام الله.

للأغوار قيمة عالية في الثروات، فهي تمتد على مساحة تزيد على 1.5 مليون دونم بما يشمل شمال البحر الميت، وتُقسم إلى: الأغوار الشمالية (تضم محافظة طوباس)، الوسطى (تضم مناطق تتبع نابلس)، الجنوبية (تضم مناطق تتبع أريحا)، ويقطنها نحو 55 ألف فلسطيني (2% من سكان الضفة)، ضمن 27 قرية وبلدة ثابتة إضافة إلى عشرات المضارب البدوية، وفق البيانات الرسمية. يقول رئيس مجلس قرى المالح والمضارب البدوية، مهدي دراغمة، إن الأغوار «ثالث أكبر حوض مائي في فلسطين، وتزخر بالينابيع والأودية. المزارعون كانوا يستغلون هذه المياه لري المزروعات بنظام القنوات، لكن سيطرة شركة ميكروت الإسرائيلية على المنطقة سبّبت كارثة مائية لهم، بعدما حفرت مجموعة من الآبار وحولت المياه إلى المستوطنات الزراعية». الثروة الحيوانية مهدّدة هي الأخرى خاصة مع دخول فصل الصيف ودرجات الحرارة المرتفعة جداً مقارنة ببقية المناطق الفلسطينية، خاصة مع نقص المياه. وفق دراغمة، يحتاج المزارع يومياً إلى ما بين 10 إلى 20 كوباً من الماء للثروة الحيوانية والاستعمال المنزلي، في حين أن نقص المياه أجبر المزارعين على استعمال الصهاريج المتنقلة من مناطق بعيدة، بتكلفة باهظة ولذلك، هاجر جزء من العائلات القروية للحصول على المياه بتكلفة أقل.

دوماً كانت الأغوار ساحة لعدوان الجيش والمستوطنين بطرق مختلفة


يقول أحد المزارعين، ويدعى فوزي عوض، إن «المستوطنين يهاجمون المحاصيل دائماً في كل مكان ننتقل إليه داخل الأغوار، إما بإطلاق قطعان الماشية لتتلف المزروعات، أو تسييجهم الأراضي الزراعية»، مستدركاً: «نحن صامدون لكن الاعتداءات لا تتوقف، وبُعد مناطق الأغوار عن المحافظات يجعلها فريسة سهلة». وهذا الصيف مثلاً شهدت منطقة الساكوت بالأغوار الشمالية خسارة فادحة لموسم البطيخ والشمام . يوضح المزارع محمد بشارات أنهم تلقوا ضربة قوية بسبب موجة الحر نهاية الشهر الماضي، إذ تعرض نحو 60% من المحصول للتلف. أما النسبة المتبقية من البطيخ الجيد، فكانت فريسة لبطيخ المستوطنات الذي غزا السوق الفلسطينية. يكمل بشارات: «سنعزف عن زراعة البطيخ في الأغوار الشمالية.. إلا إذا عوضتنا وزارة الزراعة والحكومة». أما المزارع مؤيد هريش، فيقول إن السلطة «قدمت الأشتال ودعماً جيداً لإحياء أراضي الأغوار ومنع العدو من السيطرة عليها بحجة فراغها، لكن قبيل بدء الموسم والإنتاج تعرّض المزارعون لموجة الحر»، مضيفاً: «خسرت نحو 40 دونم من البطيخ في مزرعتي قرب الجدار الفاصل وبمحاذاة المستوطنات في قاعون».
من جهة أخرى، حوّل العدو القرى والمضارب البدوية لمناطق تدريب عسكرية، إذ صارت الأراضي مسرحاً لعشرات الآليات بما فيها دبابات، إضافة إلى قوات المشاة والمظليين. ويتخلل هذه التدريبات طرد الفلسطينيين من خيامهم واستعمال الذخيرة الحية، الأمر الذي يؤدّي إلى أضرار متنوعة فضلاً عن الآثار النفسية التي تَلحق بالأطفال. ومن الأضرار المادية تدمير خطوط المياه، وإتلاف المحاصيل، وإحراق مساحات شاسعة منها. من ذلك ما شهده بداية الشهر الجاري حين التهمت النيران نحو تسعة آلاف دونم من القمح والشعير والمراعي قرب خربة حمصة الفرشه وفي خربة حمصة البقيعة. وسط ذلك، يشعر عدد من المزارعين، الذين قابلتهم «الأخبار» في الأغوار الشمالية، أن «الضم قادم»، وليس شرطاً أن يكون فورياً. ويشتكون من غياب السلطة من الأساس قبيل الضم، ولذلك الضم يعني تحكّماً إسرائيلياً أكبر بالأغوار، كما يرون، بل يرى مزارعون أن ضم الأرض من دون السكان يعني أن يتحول الفلسطينيون إلى رهائن وأن تُقسّم الأغوار إلى قطع صغيرة بينها بوابات وحواجز تفصل المزارعين عن أراضيهم. مع ذلك، هناك قلة ترى أنه لا فرق بين ما قبل الضم وما بعده بحكم سيطرة العدو الكاملة على الضفة والأغوار، لكن الحد الأدنى من الخطورة أن تتحول الأغوار إلى مناطق إسرائيلية تُطبق عليها قوانين العدو، مثل قانون أملاك الغائبين الذي يتيح الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين إذا لم يكونوا فيها، علماً بأن عدداً كبيراً من العائلات تمتلك أراضي في الأغوار لكنها لا تقطن فيها.