غزة | تتواصل الإجراءات «الانتقائية» التي تطبّقها السلطة الفلسطينية في وقفها «التنسيق المدني والأمني» مع العدو الإسرائيلي. آخر تلك الإجراءات إصدار جوازات السفر من دون تسجيلها لدى الجانب الإسرائيلي كما تشترط اتفاقية أوسلو. قرار بدأ تطبيقه منذ شهر، بعدما أعلنت رام الله أنها في «حل من الاتفاقات والتفاهمات»، ويشمل وثائق أخرى منها شهادات الميلاد، من دون وضوح حول مصير الهويات الشخصية التي تصدر بالعربية والعبرية. تقول الداخلية الفلسطينية إن السلطة بدأت العمل مع جهات دولية لتمكينها من تسجيل سكانها وإصدار جوازات سفر من دون الحاجة إلى تسجيلها لدى إسرائيل، علماً بأن هذا يتنافى مع «أوسلو»، وسيعيق مرور المسافرين من النقاط الحدودية الإسرائيلية، خاصة من لم تسجل بياناته لدى العدو. ويقول المتحدث باسم الداخلية في رام الله، غسان نمر، لـ«الأخبار»، «نسعى إلى بناء نظام جديد بعيداً من الاحتلال لتسجيل مواطنينا».

هذه المرة الأولى التي تقدم فيها السلطة على خطوة من هذا النوع منذ تأسيسها عام 1994، فيما يشمل الإجراء سكان الضفة وقطاع غزة الذين يناهز عددهم خمسة ملايين. يعلق القيادي في حركة «فتح» عبد الله عبد الله على القرار بأنه «قيد الدراسة منذ مدة، ليس رداً على خطة الضم الإسرائيلية فقط، بل الفكرة هي توطين السجل المدني الذي يشمل الوفيات والولادات وحالات الطلاق والزواج... كلها من ملامح السيادة الوطنية، والحكومة الآن تدرس أن تتولى مسؤولية الأحوال الشخصية كافة». وعن قبول العالم هذا الجواز، يقول عبد الله لـ«الأخبار»، «هذا الإجراء يحتاج إلى تواصل مع العالم، لكن الدول التي تعترف بدولة فلسطين (139 دولة) ستعترف بهذا الجواز»، مضيفاً: «التوجه ليس إصدار جواز سفر بعيداً من الجانب الإسرائيلي فقط، بل أن يكون باسم دولة فلسطين بدلاً من السلطة الفلسطينية، وأن تكون إجراءات الأحوال الشخصية محصورة في الجهاز الإداري الفلسطيني من دون أن تمر عبر إسرائيل».
يبرز بعض الاعتراضات على هذه الخطوة من واقعيتها لا من أصل الاعتراض على «أوسلو» ومنتجاته، إذ إنها تنافي جوهر الاتفاق الذي لن تسمح سلطات الاحتلال بتغييره من طرف واحد هو الأضعف حالياً. وفي حال أصرّ الفلسطينيون، سيكون سهلاً على العدو رفض الاعتراف بأصحاب هذه الجوازات غير المسجلة لديه، وكذلك الحال مع بطاقات الهوية، وصولاً إلى وثائق إثبات الوفاة. وحالياً، بات أي طفل يحمل شهادة ميلاد فلسطينية لم ترسل بياناته إلى «الإدارة المدنية» الإسرائيلية لا يستطيع السفر مع عائلته. لذلك، تقول مصادر في السلطة إنها شكلت لجنة لدراسة آثار القرار. يضيف نمر: «الإشكالية الوحيدة هي مرور الفلسطيني عن طريق الجسر... تعمل الحكومة على حل هذا الإشكال عبر طرف ثالث يتدخل لدى الجانب الإسرائيلي حتى لا يكون هناك أي عائق أمام إصدار الجواز من دون التنسيق مع إسرائيل». بعبارة أخرى: ثمة التفاف على التنسيق المباشر، لكن لا فكاك من تسجيل البيانات لدى العدو، ما يعني تعقيداً إدارياً إضافياً من دون تغيير الواقع، فضلاً عن الصعوبات الأخرى غير السفر التي لم تتضح بعد.
يواصل المتحدث باسم الوزارة: «الجواز معترف به لدى كل البلدان، والدليل أن الفلسطيني يستطيع الحصول على فيزا لأي دولة في العالم حتى غير المعترفة بدولة فلسطين»، مستدركاً: «لا جديد على عملنا السابق، ولا اختلاف عن الجواز السابق، فنحن نقوم بإجراءاتنا كالمعتاد، لكن لا نرسل البيانات إلى الجانب الإسرائيلي بسبب وقف التنسيق. لا نسعى إلى إصدار جواز، بل نستصدر حالياً جوازات من دون موافقة الجانب الإسرائيلي». أما وكيل «الداخلية»، يوسف حرب، فيقول: «حتى الآن لا يتوفر طرف ثالث، لكن البحث مستمر لإيجاد آليات بديلة لتسيير شؤون المواطنين الذين من المتوقع أن يتأثروا بفعل القيود الإسرائيلية، لكننا يجب أن نمارس سيادتنا من دون الخضوع للاحتلال». ويضيف حرب: «هناك خطة إجرائية خلال الأيام المقبلة في حال تم فتح المعابر والحدود (بعد أزمة كورونا)، فحواها أن تتدخل جهات دولية، وهذا ليس منّة منها، بل واجب عليها للمساهمة في التخفيف عن الفلسطينيين».
بعيداً من هذا التفاؤل، ترى إسرائيل أن بيانات السجل الفلسطيني ملف أمني وليس اجتماعياً، بل هو مهم لمتابعة الأفراد وعناوينهم. مع ذلك، يقول المستشار السياسي لوزير الخارجية والمغتربين، السفير أحمد الديك، «نحن مستمرون في إصدار جوازات السفر، لكن من دون التنسيق مع الجانب الإسرائيلي... نأمل ألا يعرقل مرور المواطن على جسر الكرامة. لكن إن أقدمت إسرائيل على هذا، فلتتحمل المسؤولية». ويستدرك الديك: «لم يتغير الوضع القانوني السابق للجواز، فلماذا سيرفض؟ جميع دول العالم تتعامل معه وتعترف به. لم يطرأ أي جديد سوى أننا لم نعد ننسّق».