ما الذي يأتي بممثِّلَين لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، إلى منتدى صهيوني لإحدى أقدم المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، والتي تُقدِّم نفسها، للمناسبة، على أنها «مركز عالمي لتأييد اليهود وإسرائيل»؟ تصبو دول «الاعتدال العربي» إلى علاقات أكثر انفتاحاً مع إسرائيل. علاقاتٌ لم تعد تقتصر على تقاطعات صغيرة من هنا، أو تعاون استخباري من هناك، بل إنها صارت في مرحلة متقدِّمة جداً من التعاون، بفضل سياسة «المحمَّدَين». ولا يمكن النظر إلى مشاركة أبو ظبي والرياض في «المنتدى الدولي للجنة اليهودية الأميركية» بمعزل عن دلالات توقيتها، ولا سيما أنها تتساوق مع خطة الضمّ في الضفة المحتلة من جهة، ومِن جهة ثانية مع تكثيف الضغوط الأميركية - الإسرائيلية على سوريا بعد نفاذ «قانون قيصر»، بالتزام خليجي.

تكثيف لقاءات الودّ مع الإسرائيليين متى سنحت الفرص، حمَلت الأمين العام لـ«رابطة العالم الإسلامي» محمد العيسى، ووزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، إلى المنتدى الدولي لـ«اللجنة اليهودية الأميركية». المجموعة التي تأسّست عام 1906 والمعنيّة بالنهوض بحقوق اليهود، كانت أعلنت، عبر موقعها الإلكتروني، عن مشاركة الضيفين في ما سُمِّي «المنتدى العالمي الأوّل للدعوة اليهودية»، واللذين انضمّا إلى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزير الأمن الإسرائيلي بني غانتس، وغيرهم، لمناقشة «أهمّ القضايا التي تواجه الشعب اليهودي». ممثّل العرش السعودي، محمد العيسى، أكّد في الجلسة الافتتاحية للمنتدى «الشراكة»، بعدما أشاد بجهود المنظمّة في إعادة بناء العلاقات الإيجابية بين المسلمين واليهود. ورأى في التباعد بين أتباع الديانتين خلطاً بين السياسة والدين، وغياباً لمنطق العدالة الشاملة. وبينما خلت مداخلته مِن أيّ إشارة إلى القضية الفلسطينية، وضع التعاون الإسلامي - اليهودي في إطار السلام، ودان «العمليات ضدّ اليهود والمؤسسات اليهودية في العالم مِن قبل ورثة الإرهاب النازي»، مبشّراً بعودة «العلاقات الحقيقية بين الإسلام واليهودية». العيسى، الذي شغل سابقاً منصب وزير القضاء في الحكومة السعودية، سبق له أن شارك في مناسبات ارتدت طابعاً دينياً، كإحياء ذكرى «الهولوكوست»، وفي مؤتمر «الأكاديمية الدبلوماسية العالمية» في باريس، حين قال إن «أيّ عمل عنف أو إرهاب يحاول التستّر وراء دين الإسلام لا مبرّر له على الإطلاق، ولا حتى في داخل إسرائيل». مشاركة العيسى - قرقاش، تزامنت أيضاً مع إطلالة لافتة لسفير الإمارات لدى واشنطن، يوسف العتيبة، في موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تستجدي ترسيخ الحلف المعلن بين دول «الاعتدال» وإسرائيل.

دان العيسى العمليات ضدّ اليهود والمؤسسات اليهودية في العالم


ورغم الودّ السعودي - الإسرائيلي الجليّ، تغوص أبو ظبي في علاقات أكثر علانية مع تل أبيب، رفعت التعاون بينهما في السنتين الأخيرتين إلى مستوى غير مسبوق، شمل تبادل الزيارات الرسمية، والمشاركة في العديد من الأنشطة الرياضية. تقاربٌ أثمر، أخيراً، إنشاء حساب رسميّ لـ«الجالية اليهودية في الإمارات» على موقع «تويتر»، انضمّت إليه 150 أسرة يهودية تتكوّن من ألفين إلى ثلاثة آلاف شخص تقيم في إمارَتي أبو ظبي ودبي. هذا التقارب دفع الوزير الإماراتي، أنور قرقاش، المشارك في المنتدى، إلى اعتبار «التواصل مع إسرائيل مهمّاً وسيؤدّي إلى نتائج أفضل من مسارات أخرى اتبعت في الماضي». وهو شدّد في جلسة السؤال والجواب التي وصفتها «اللجنة اليهودية الأميركية» بأنها «تاريخية»، على أن الإمارات يمكنها العمل مع إسرائيل في «بعض المجالات»، بما في ذلك مكافحة فيروس «كورونا» ومجال التكنولوجيا، مع استمرار وجود الخلافات السياسية بين البلدين. وتساءل قرقاش: «هل يمكن أن يكون هناك خلاف سياسي بيني وبين إسرائيل، لكن أستطيع في الوقت ذاته العمل في مجالات أخرى من العلاقة؟ أعتقد بأنني أستطيع، وأعتقد بأن هذا هو ما نحن عليه أساساً»، لافتاً إلى أن التعاون في مواجهة التحدّي الذي يمثّله الوباء العالمي، لا يؤثّر على معارضة الإمارات لاقتراح الضم، أو قضايا سياسية أخرى.
ومن بين المُشاركين في المنتدى، وزير الأمن الإسرائيلي بني غانتس، الذي تطرّق إلى «الفرصة السياسية» في إطار «صفقة القرن»، وقال إن الحديث يدور عن خطة مهمّة تقدِّم مسلكاً واقعياً للطريقة التي يمكن مِن خلالها بناء مستقبل مستقر في المنطقة، «وأنا أعتزم دفعها قدر استطاعتي». أما بومبيو الذي وجّه رسالة مدّتها ثلاث دقائق، فركّز خصوصاً على إيران بصفتها «المموّل الرئيس للإرهاب اللا-سامي»، مشيراً إلى أن حملة «الضغوط القصوى ضدّها ستستمر». وقال: «منذ عام 1948، أثبتت إسرائيل مراراً أنها على استعداد لمواجهة كل التحديات من أجل حقّ الشعب اليهودي في أن يحكم نفسه في وطن أجداده»، وستدعم الولايات المتحدة دائماً الحقّ.