يمكن مقاربة اتفاق الحكومة في كيان العدو، بين حزب «الليكود» بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتحالف «أزرق أبيض» بزعامة بني غانتس، انطلاقاً من أكثر من سياق داخلي وإقليمي. فقد كان لنتنياهو دوافعه وحساباته وإنجازاته وتنازلاته. وفكّك الاتفاق أيضاً المعارضة الإسرائيلية وحوَّلها إلى أحزاب مشتّتة. وعلى المستوى القضائي، عمد الثنائي نتنياهو - غانتس إلى حشر المحكمة العليا في محاولة للضغط عليها، من خلال وضعها أمام خيارين؛ إما التسليم بالصيغة الحكومية وعلى رأسها نتنياهو الفاسد والمتهم بالرشوة، أو التسبب في إجراء انتخابات في ظل ظروف صحية واقتصادية صعبة، وهكذا أيضاً لجهة أكثر من سياق داخلي اجتماعي وسياسي. وعلى المستوى الإقليمي، تبرز بشكل مباشر الرسائل والتبعات التي انطوى عليها الاتفاق بخصوص ضم أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967.

اتفق الطرفان، «الليكود» و«أزرق أبيض» على أن تكون هذه الحكومة «حكومة طوارئ»، مهمّتها الأولى معالجة أزمة «كورونا» والأزمة الاقتصادية الناشئة عنها، على أن تمتدّ فترة هذه الحكومة (الطوارئ) لمدّة 6 أشهر، قابلة للتمديد لثلاثة أشهر، باتفاق الجانبين. ولذا، فإن الغالبية الساحقة من بنود الاتفاقية تتركّز على مسألة تركيب الحكومة ولجان الكنيست، ومنصب رئيس الكنيست. مع ذلك، يمكن القول إن الشأن السياسي الوحيد الذي ورد في الاتفاقية، هو فرض ما يسمّى «السيادة الإسرائيلية» على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة.
وسمح الاتفاق لغانتس بأن يلعب دور المعارض لخطوة ضمّ الأراضي المحتلّة، لكن نتنياهو يمكنه تنفيذها رغم معارضته. ويحصل الضم بحسب تفاهم مع الولايات المتحدة على الأراضي المتفق عليها مسبقاً، ومن ثم يطرحها نتنياهو على الحكومة للموافقة، وبعدها يطرحها على الكنيست بعد التشاور مع غانتس.

اتفق الطرفان، «الليكود» و«أزرق أبيض»، على أن تكون هذه الحكومة «حكومة طوارئ»


ونص الاتفاق على أن «رئيس الحكومة (نتنياهو)، ورئيس الحكومة البديل (غانتس)، يعملان معاً، وبالتنسيق، من أجل الدفع باتفاقيات سلام، مع كل جيراننا، والدفع نحو تعاون إقليمي، في مجالات اقتصادية متنوعة، وفي مجال كورونا». وحرص الثنائي، المتقاسم لمنصب رئاسة الحكومة، على التأكيد أن يعملا في ما يتعلّق بـ«صفقة القرن» بـ«التوافق الكامل مع الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك مسألة الخرائط، أمام الأميركيين والمجتمع الدولي بشأن هذا الموضوع، وكل هذا في إطار السعي للحفاظ على المصالح الأمنية والاستراتيجية لدولة إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على اتفاقيات السلام (القائمة) والسعي لاتفاقيات سلام مستقبلية». وهو ما يُشير إلى مجموعة عناوين عامّة لا تخرج عن دائرة الإجماع. فالأطراف جميعهم، بما فيهم أولئك الذين سيكونون في المعارضة، لا يفرّطون في الاستقرار الإقليمي، ولا في اتفاقيات السلام التي تمثّل بالنسبة إلى تل أبيب «ذخراً استراتيجياً». لكن قد يحصل بعض التباين في تقدير بعض مفاعيل مثل هذه الخطوات لكونها قد تحشر الأنظمة العربية المتموضعة في إطار المعسكر الغربي.
وكترجمة لما يختزنه الطرفان من خلفيات يمينية مشتركة، اتفقا على أن رئيس الحكومة يستطيع، بعد إجراء الأبحاث والمشاورات بين رئيس الحكومة ورئيس الحكومة البديل، إحضار أي قرار بخصوص فرض السيادة مع التوافق مع الولايات المتحدة، ابتداءً من 1/7/2020، للمصادقة عليه في الحكومة و/ أو الكنيست. يُذكر أن مسألة الضم لا تحتاج إلى موافقة غانتس وحزبه، فبموجب القانون، يكفي لتنفيذ الضم صدور قرار حكومي. ومع ذلك، حينما تم فرض «السيادة» على القدس المحتلة، ولاحقاً على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، جرى عرض القرارين على الكنيست، وحصلا على أغلبية. لكن العكس غير صحيح، بمعنى أن القانون يفرض للانسحاب من مناطق تحت السيادة، أن يتم بذلك بأغلبية لا تقل عن مصادقة 80 عضو كنيست، وإذا وجدت أغلبية عادية يتم عرض الانسحاب على استفتاء عام. إلا أن هذا القانون من الممكن إلغاؤه بأغلبية 61 نائباً وأكثر، لكونه «قانون أساس»، بحسب ما ورد في نص القانون نفسه، الذي عُرف بـ«قانون الاستفتاء العام».
يجسّد الاتفاق حقيقة أن كتلة «أزرق أبيض» التي يترأسها غانتس لا تحمل أي توجّه أيديولوجي مختلف عن «الليكود»، بل كان المطلب منذ البداية حكومة وحدة، لكن كان الشرط أن تكون من دون نتنياهو، ثم تمّ التراجع عن هذا الشرط. ويُبدّد هذا المفهوم أي رهان لدى أنصار التسوية على إمكانية حدوث تغيير في الأداء الإسرائيلي على مستوى الاستيطان والضم، نتيجة توازنات داخلية. كما يؤكّد أن الطريق لوحيد لكبح العدوان الإسرائيلي المتواصل على شعب فلسطين ليس إلا طريق المقاومة والانتفاضة.