«...أنا في غاية القلق عليك وعلى رفاقك، هل الطقس بارد هناك؟ أعرف أنه ليس لديك إلا ثلاث بطانيات، وقد قرأت في جريدة آيرش نيوز أن العديد منكم يعاني من رشحٍ مزمن. تدفأ وتدثر قدر ما تستطيع، يا ولدي. سأصلي لكم جميعاً صلاة صغيرة». لعل أكثر ما يبكي في هذه الرسالة هو اعتراف والد الأسير الإيرلندي الراحل، بوببي ساندز، بقلة الحلية، إذ لم يملك إلا وعداً لنجله ورفاقه في الأسر بالصلاة الصغيرة تلك.

كان ذلك في الثمانينيات، يوم اشتدّ الجوع على بطون الأسرى الإيرلنديين في السجون البريطانية، قبل أن يموتوا جميعاً في أطول إضراب عن الطعام عرفته البشرية في حينه. لم يجتح السجون في ذلك الوقت وباء من النوع الذي يجول العالم اليوم، كان «مجرد» رشح مزمن. غير أنه، منذ أسابيع، أخذ كائن مجهري بتيجان على عاتقه معاقبة البشر: شوارع فارغة، مقاهٍ ومطاعم ومجمعات تجاريّة أغلقت أبوابها، حركة القطارات والطائرات تبدو في شلل. وبدا أن ذلك اللون الذي تعكسه السماء على لون مياه البحر صار اسمه الهدوء. العجلة الاقتصادية لا تجد من يستيقظ قبل طلوع الفجر ليحرّكها. أمّا داخل البيوت، فيحدث أن يتعرّف أفراد العائلات بعضهم إلى بعض من جديد، وكأنهم يرى بعضهم بعضاً للمرّة الأولى. يحار هؤلاء في كيفية تقطيع الوقت. ورغم وسائل الترفيه كافة، يجد المحجورون في منازلهم ضيقاً لا يمكن التخلّص منه، فهذه المرّة الأولى التي يجرّدون فيها من حرية الحركة درءاً للموت!
ثمّة من سبق البشرية إلى ذلك، يوم اختار الأسرى الفلسطينيون بأنفسهم بذل حرّيتهم في سبيل أن يحيا شعبهم. «حُجروا» في سجون لا يملكون فيها حتى رفاهيّة اليأس. أمس، وصل النبأ: أصاب فيروس «كورونا» أربعة أسرى في سجن «مجدو»، نُقل إليهم في خلال التحقيق، من طريق محقّق إسرائيلي مصاب.

لم تتّخذ سلطات الاحتلال وإدارة السجون أي تدابير وقائية لحماية المعتقلين


سرعان ما نفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الخبر، كما نفاه رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين، قدري أبو بكر، مكتفياً بتأكيد خبر عزل أربعة أسرى «احتياطاً» بسبب الاشتباه في إصابتهم، بعدما خالطوا سجّاناً ثبتت إصابته بالمرض.
رغم النفي، يبدو أن قلق ذوي الأسرى على صحّة أبنائهم محال أن يتبدّد. فمجرد تخيّل سيناريو ثبوت إصابة أسير واحد أمر يبعث على الرعب؛ إذ إن احتمال إصابتهم لا يزال قائماً. وهو ما عكسته رسالة «مؤسّسة الضمير» الحقوقية، التي قالت إنه «على الرغم من خطورة الوضع في البيئة السجنية للمعتقلين ما قبل ظهور أزمة فيروس كورونا، ومن خلال متابعتنا لأوضاع المعتقلين والأسرى داخل السجون وعدم تناسبها مع المعايير الدولية لحقوق المعتقلين والسجناء وفي ظل استمرار حملات الاعتقال اليومية والاكتظاظ الكبير في الغرف والأقسام، وضيق المساحة، وقلة التهوية والتشمس، وعدم وجود الرعاية الصحّية المناسبة نتيجة سياسية الإهمال الطبّي ونقص في مواد التنظيف والمعقّمات غير الموجودة سابقاً وحتى الآن، لم يلاحظ قيام سلطات الاحتلال وإدارة السجون باتخاذ أي إجراءات وتدابير وقائية لحماية المعتقلين والأسرى داخل السجون الإسرائيلية».
ما لم يكن غريباً، هو استغلال سلطات الاحتلال للأزمة الصحّية المستجدّة، كحجّة إضافية لتعميق معاناة الأسرى الفلسطينيين؛ إذ اتخذت مجموعة من الإجراءات الإضافية التي تنتهك حقوقهم، كمنعهم من زيارات أهاليهم ومحاميهم منذ بداية الشهر الحالي لغاية الشهر المقبل. كما إنها، بحسب «الضمير»، استبدلت «الزيارات بالاتصال مع الأهل والمحامين، ومنعت عقد الجلسات والمرافعات أمام المحاكم الإسرائيلية والاكتفاء بالتمديد والتوقيف في مراكز التحقيق بحضور المحامي، مع استمرار سياسية منع لقاء المحامين لبعض المعتقلين في ظل الظروف القاهرة».
إزاء ذلك كلّه، يجد أهالي الأسرى اليوم أنفسهم في قلق مضاعف، فيما هم، كما والد ساندز، لا يملكون إلا تلك «الصلاة الصغيرة». فبرصد سريع للتعلقيات التي انهمرت على خبر إصابة الأسرى الأربعة على صفحة «إعلام الأسرى»، تظهر مجموعة من العبارات المستجدية: «يا رب احميهم وطمئننا»، «لطفك يا رب»، «يا الله اشفيهم»...
هكذا إذاً، فيما البشر يشعرون بالضجر، ويحارون في وسائل رفاهيتهم داخل عزلتهم البيتية، يصارع الأسرى في السجون الإسرائيلية كي لا يصاب أحدهم. هي المرّة الأولى التي يجدون فيها العالم خارج سجنهم وقد أضحى سجناً بشرياً عملاقاً، يستوجب الانقطاع عنه. لم يكن هؤلاء ليتخيّلوا يوماً أن الزيارة الشهرية لذويهم القادمين من العالم الخارجي، والتي تمتد لمدّة 45 دقيقة شهرياً فقط، أو زيارة محامٍ لهم، قد تصبح تهديداً في يوم ما على حياتهم!