غزة | تكاد المفارقات التي تَسِم خطاب السلطة الفلسطينية في ما يتصل بـ«صفقة القرن» وسلوكها إزاءها لا تتوقف. فعلى رغم إعلان رئيس السلطة محمود عباس، في أعقاب الكشف عن بنود «صفقة القرن»، قطع العلاقات الأمنية مع الإسرائيليين والأميركيين، إلا أن ممثليه في جهاز المخابرات، الوحيد الذي تُواصل الإدارة الأميركية دفع مخصّصاته، سرعان ما استقبلوا رئيسة «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (CIA)، جينا هاسبل، في رام الله. وعلى مدار أشهر التخطيط للصفقة، لم تنقطع اللقاءات بين الجانبين، وقد كان أبرزها جولة على مدار ثلاثة أيام، شارك فيها ممثلون عن الـ«CIA» وطاقم من مخابرات السلطة يضمّ 16 ضابطاً، و«بحثت بشكل معمّق سيناريوات وخططاً للقضاء على منظومة المقاومة، في القطاع تحديداً، مع رسم ملامح لضمان عدم حدوث فوضى في الضفة تتسبّب في تفجير الأوضاع»، وفق ما نقلته مصادر مطلعة لـ«الأخبار».

وأوضحت المصادر أن اللقاءات بحثت في يومها الأول «جميع السيناريوات للتعامل مع المقاومة والأهداف العامة لكلّ سيناريو»، فيما خُصّص اليوم الثاني للتناقش في استعدادات المخابرات لتنفيذ تلك السيناريوات. وفي الثالث فُتح «نقاش عام حول أفكار خلّاقة للخروج من الأزمات». وفي النهاية خلصت اللقاءات إلى نقاط أهمّها:
- ضرورة الانتقال من مربّع احتواء «حماس» إلى مربّع الانقضاض عليها عبر استغلال الخلافات بين قيادات الداخل والخارج في الحركة.
- التحريض على زيارة رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، إلى طهران، ومشاركته في تشييع (الشهيد) قاسم سليماني، والتي عُدّت دليلاً واضحاً على فشل سياسة احتواء الحركة، سواء عبر إسرائيل أو الوسيط المصري. كما أن محاولة «حماس» تعزيز العلاقة مع «حزب الله»، وعدم انصياعها للاشتراطات المصرية بعدم زيارة إيران، يصبّان في مصلحة الاقتناع نفسه.

بحثت لقاءات بين الجانبين سيناريوات وخططاً للقضاء على منظومة المقاومة


- لا إمكانية لاستئصال فصائل المقاومة، وفي مقدّمتها «حماس»، لكونها تتمتع بامتدادات شعبية واسعة، ولذلك لا بدّ من العمل على استراتيجية لإضعاف الحركة. وهنا، جرى تقديم مقترح من «المخابرات العامة» يدعو إلى «احتواء حماس ودفعها لتكون جزءاً من النظام السياسي في إطار منظمة التحرير... مع العمل على تجفيف مصادر تمويلها بالاتفاق مع وزارة الخزانة الأميركية».
المفارقة أن مضامين اللقاءات تتقاطع مع مضمون «صفقة القرن» التي تقرّ السلطة بأنها أشبه ما تكون بـ«الجبنة السويسرية» التي يراد خداع الفلسطينيين بها. كما أن المضامين المذكورة تستجيب لتحذير رئيس جهاز مخابرات السلطة، ماجد فرج، قبيل إعلان الصفقة، من «جرّ السلطة إلى فلتان أمني مدروس في الضفة»، واستعادته أحداثاً شهدتها الضفة، من قبيل السطو على عدد من البنوك وانتشار المسلحين في المخيمات! وفي هذا الإطار، يرى الأمين العام لـ«جبهة النضال الوطني»، خالد عبد المجيد، أن تلك المعطيات تدلّ على «كذب قيادة السلطة، وخاصة الرئاسة، وهزال الموقف الرسمي، وعدم استعداد القيادة المتنفذة في السلطة والمنظمة لمجابهة صفقة القرن».