كلّ الإشارات، في الآونة الأخيرة، كانت تدلّ على قرب طرح بنود «صفقة القرن»، وتحديداً قبل أن يعود الإسرائيليون، للمرّة الثالثة في غضون عام واحد، إلى صناديق الاقتراع. عبثاً، انتظرت الإدارة الأميركية تأليف حكومة إسرائيلية. وفي كلّ مرّة، وقبلها وبعدها، كان دونالد ترامب يقدِّم دفعةً بالمجّان لإسرائيل، إن كان لتدعيم تحالفاته داخلياً عبر تحقيق وعود انتخابية، أو سعياً منه إلى انتشال حليفه بنيامين نتنياهو من أزماته الداخلية. لم يَعد طرح الصفقة غاية في حدّ ذاته. اجتثاث القضية الفلسطينية بدأ، عملياً، منذ وطئت قدما دونالد ترامب البيت الأبيض، بداية بإعلانه القدس المحتلة عاصمةً لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن إليها، وصولاً إلى مصادقته على ضمّ الجولان السوري المحتلّ وما تلاه مِن شرعنة الإدارة للاستيطان، وغيرها من الخدمات التي جرى تقسيطها على مدى السنوات الثلاث الماضية، بوصفها هدايا مجانية لكيان الاحتلال. من هنا، فإن عودة الصفقة إلى واجهة الأحداث عالمياً، ولا سيما في هذا التوقيت، تؤشّر إلى المساعي المتجدّدة لتعويم نتنياهو ومعه ترامب نفسه. تفاصيل هذا الإعلان الذي تأجّل أكثر مِن مرة ولأكثر من سبب، ستخرج يوم غدٍ الثلاثاء إلى الضوء. وسيُطرح الجانب السياسي من الصفقة بعدما تمّ الكشف عن جانبها الاقتصادي في «ورشة المنامة» في حزيران/ يونيو مِن العام الماضي، حين دعا «عرّابها»، مستشار الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنر، إلى الاستفادة مِن «فرصة القرن» التي ستجلب «السلام والاستقرار للفلسطينيين والإسرائيليين».
استبق ترامب خطوة الإعلان بإيفاد آفي بركوفيتش إلى إسرائيل


في غضون عام واحد، أضيف إلى حملة الانتخابات الإسرائيلية الثالثة عنصرٌ غير عاديّ. سُجّلت يوم الخميس الماضي واقعة جديدة: خطوة قام بها الرئيس الأميركي أدّت إلى إضعاف الحملات المضادّة لنتنياهو. طرح الصفقة في هذا التوقيت يمنح ترامب فرصة للتشويش على محاكمته الجارية حالياً في مجلس الشيوخ، أولاً، كما أنه يُعدّ، كما قرئت الخطوة غربياً، «وثيقة انتخابية» تهدف إلى تعويم حليفه، رئيس الحكومة الإسرائيلية، ثانياً، بعدما صارت السياسة الانتخابية في إسرائيل تُدار من المكتب البيضاوي. آرون ديفيد ميلر رأى أن إعلان الصفقة، قبل أسابيع من إجراء انتخابات «الكنيست»، «يأخذ الدبلوماسية الأميركية إلى درجات غير مسبوقة من السقوط». فاستدعاء نتنياهو جنباً إلى جنب رئيس المعارضة في «الكنيست»، بيني غانتس، إلى واشنطن، لمناقشة تفاصيل الصفقة التي طال انتظارها، يعتبر بمثابة «مفاجأة» ترامب الثالثة في ثالث انتخابات إسرائيلية (بعد المصادقة على ضمّ الجولان السوري، والترويج لاتفاقية دفاعية أميركية - إسرائيلية). من حيث التوقيت أيضاً، فإن الرحلة - المقررة في اليوم ذاته الذي يواجه فيه رئيس الحكومة إجراءً محورياً في سياق الصراع الدائر على حصانته البرلمانية في وجه قضايا احتيال ورشى - يُنظر إليها باعتبارها «نعمةً» لنتنياهو و«فخاخاً» لغانتس. بحماسة شديدة، وافق الأوّل على دعوة نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، الذي كان يشارك في مناسبة «تحرير معسكر الإبادة النازي أوشفيتز»، الخميس، في القدس المحتلة. توازياً، منح بنس نتنياهو الفضل في تمدد الدعوة لتشمل غانتس. دعوةٌ بدت أشبه بعملية «تجميد» لحملة هذا الأخير الذي أكّد، السبت، موافقته على مقابلة الرئيس الأميركي يوم الإثنين، أي قبل يوم واحد من «القمة المصغرة» المزمعة، على أن يعود إلى إسرائيل يوم الثلاثاء لإجراء محادثات برلمانية في شأن مسألة الحصانة. وعلى الرغم من تردّد زعيم حزب «أزرق أبيض» في قبول الدعوة، إلا أن رفضه سيعني مخاطرته في أن يُنظر إليه على أنه تجاهل إحدى أكثر الخطط تحيّزاً لإسرائيل، كما أنه سيعني تخلّيه عن مصافحة ترامب الذي يحظى بشعبية كبيرة بين الناخبين الإسرائيليين، وفق ما رأت «واشنطن بوست».
واستبق ترامب خطوة الإعلان بإيفاد مبعوثه إلى الشرق الأوسط، آفي بركوفيتش، إلى إسرائيل بداية الشهر الجاري، حيث اجتمع بنتنياهو وغانتس والسفير الأميركي ديفيد فريدمان، وبحث معهم إمكانية الإعلان عن تفاصيل الخطة الأميركية قبل انتخابات «الكنيست». وجرى التكتّم على حيثيات المشاورات بين الجانب الإسرائيلي وفريق ترامب ممثلاً ببركوفيتش، الذي زار إسرائيل في مهمّته الرسمية الأولى منذ استقالة سلفه جيسون غرينبلات في أيلول/ سبتمبر 2019، بعد تأجيل ترامب الإعلان عن الصفقة للمرة الثانية بسبب إعادة الانتخابات في إسرائيل. وعلى رغم التكتّم على فحوى اللقاء الذي جمعه بالمبعوث الأميركي، أبدى غانتس تحفّظه على الاستعدادات الأميركية للإعلان عن «صفقة القرن» قبل انتخابات «الكنيست»، قائلاً: «يمكنني أن أفترض أنه في مثل هذه القضية المهمة، سيكون الأميركيون حذرين، ولن ينشروها خلال الانتخابات. وإذا نشرت قبيل الانتخابات، فسيكون ذلك تدخّلاً صارخاً وحقيقياً».