في إطار مساعيها لترسيخ احتلالها للجولان، وتعزيز وجودها الاستيطاني فيه، تعمل إسرائيل، منذ سنوات، على استغلال مصادر الطاقة المتجدّدة في الهضبة عبر أكثر من مشروع. مشاريعُ ليس «توربينات الهواء»، الذي وصل إلى مراحل متقدّمة من النقاش الحكومي، إلا أحدها. هذه التوربينات التي تقضم آلاف الدونمات من أراضي الجولانيين الخاصة، استنفرت أهالي المنطقة الذين ينظّمون اليوم وقفة غضب في ساحة السلطان باشا الأطرش.

«بدأت الانفجارات البركانية في الجولان قبل 4 ملايين عام... وبحسب الاختبارات الإشعاعية، فقد وقع آخر انفجار بركاني هناك قبل 4 آلاف عام. اليوم، ثمة منطقة بركانية نائمة في المنطقة قد تنشط في أيّ وقت». هذا ما يقدّره الاختصاصيون في علم طبقات الأرض، بحسب موقع «Waybac Machine» الأميركي. أمّا ما فوق طبقات الهضبة المحتلة، فهو من اختصاص أهلها، المعجونين بصخورها البازلتية الصلبة، والذين يقترب بركان غضبهم من الانفجار أيضاً.
على مدى عقود من احتلالها للجولان، سعت إسرائيل في ترسيخ الاستيطان، مُنشِئةً إلى اليوم أكثر من ثلاثين مستوطنة هناك، مُدعِّمةً إياها بالمشاريع الاستثمارية التي تستغلّ الموارد الموجودة في الهضبة لتدعيم اقتصاد المستوطنين وتعزيز رفاهيتهم. مشاريعُ ليس «توربينات الرياح» الذي ستنشئه إسرائيل على أراضي القرى المحتلة، ويتظاهر ضدّه الجولانيون اليوم، إلا أحد أوجهها.
في عام 2009، أصدرت حكومة العدو قراراً يحمل الرقم 4450، يقضي بأن «10 في المئة من حاجة إسرائيل للكهرباء ستُحصَّل من مصادر الطاقة المتجددة بحلول العام 2020». بناءً على هذا القرار، وُضعت خطّة لإنشاء 25 مروحة لإنتاج الطاقة في الجولان على أراضي قرى مسعدة ومجدل شمس وسحيتا المهجّرة. وضمن المخطط المُعرّف على أنه «مشروع قومي»، يما يتيح لوزير المالية الإسرائيلي مصادرة أراضٍ من أصحابها لإقامة المشروع ومدّه بشبكة بنى تحتية ومرافق متنوعة، ستقيم إسرائيل مزرعة مراوح هي الأكبر من نوعها على أراضٍ مملوكة للسوريين العرب. وبحسب ما تذكره شركة «إنرجيكس»، المسؤولة عن تنفيذ المشروع والفاعلة في إسرائيل وأميركا وبولندا، على موقعها الإلكتروني، فهي تتعامل مع ما كُلّفت به باعتباره «خطة وطنية للبنى التحتية»، ما يعني أن الحكومة توليه اهتماماً، خاصةً في خضمّ وضعها السياسات التنظيمية العامة. وإلى جانب الاعتبارات «القومية» التي تسوّق لها، ثمة اعتبارات اقتصادية متمثلة في أن التوربينات المزمع إقامتها ستولّد سنوياً 152 ميغاواط من الطاقة، ستباع لشركة الكهرباء الإسرائيلية، لتحقق عائداً تُقدّر قيمته بما بين 150 و160 مليون شيكل. وعلى الرغم من أن المشروع، الذي نال مصادقة «لجنة التخطيط والبناء القطرية» التابعة لوزارة الداخلية، تمّ تأجيل مناقشته في آخر جلسة حكومية عُقدت مطلع الأسبوع، إلا أنه لا يزال قائماً.

«شركة الكهرباء الإسرائيلية» ستحقق عائداً تُقدّر قيمته بما بين 150 و160 مليون شيكل


بحسب إيميل مسعود، وهو أحد سكان الهضبة، فإن المشروع «عمره أكثر من خمس سنوات، والمسؤول عن إقامته هو الحكومة الإسرائيلية، في حين ستبنيه شركة إسرائيلية خاصة». ويلفت مسعود، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «المشروع يستهدف أراضي بملكية خاصة لأهالي الهضبة المحتلة، وقد قدّمنا الاعتراضات لكلّ الجهات المعنية، لكن الشركة والحكومة من خلفها لم تُعِيرانا أدنى اهتمام، بل استمرّتا في تقديمه وتطويره»، مضيفاً «(أننا) نتحدث عن مشروع ضخم من شأنه درّ أرباحٍ على مؤسسات الاحتلال. في المقابل، يستهدف شتى مجالات حياتنا، بما يحمله من مضارّ بيئية واقتصادية وزراعية، ويؤثر مباشرة بشكل سلبي في حياة السكان، لا سيما الذين يعيشون بالقرب من المنطقة المزمع إنشاؤه فيها». كيف ذلك؟ «كلّ مروحة من المراوح يصل طولها إلى حوالى مئتي متر، عدا عن الشفرات الضخمة في أعلاها. هذه المراوح ستقام على مساحة تصل إلى 4500 دونُم من الأراضي السكنية والزراعية، وهي بذلك ستؤثر سلباً في الزراعة التي تُعدّ مصدر رزق لفلّاحي الجولان الكثر المعتمدين على زراعة فاكهتَي التفاح والكرز الشهيرتين هنا؛ إذ إنه في خلال سنوات إنشاء المراوح ستقوم الشاحنات الضخمة بنقل المعدّات مروراً بالأراضي الزراعية، الأمر الذي يعيق العمل الفلاحي، وأيضاً يعرّض الأشجار والمحاصيل للتلف والخراب»، وفق ما يوضح مسعود.
كذلك، من المتوقع أن يؤثر المشروع - في حال نُفذّ - على صحة السكان، بسبب الضجيج العالي الذي تصدره المراوح، فضلاً عن أنه يسلب الأهالي أراضيهم الخاصة بعنف القانون، متجاهلاً حتى التصنيفات الدولية للهضبة السورية على أنها أراضٍ محتلة. كما أنه يمنع التمدّد العمراني، خاصة لقرية مسعدة المحاصرة أراضيها بالألغام والمناطق العسكرية المغلقة، وليس أمام سكانها إلا البناء في أراضيها الجنوبية حيث يبعد المشروع تقريباً كيلومتر واحد. كلّ هذا يثير قلق أهالي الجولان، الذين يجدون أنفسهم مجدّداً متروكين لمواجهة يؤكدون مضيّهم فيها «ولو كلّفنا ذلك دمنا وأغلى ما نملك»، كما يقول مسعود. ويضيف أن «التظاهرة التي ننظمها غداً (اليوم) في ساحة السلطان باشا الأطرش في قرية مسعدة، إلا إذا حال الطقس دون ذلك، هي واحدة من التحركات الشعبية والجماهيرية التي نُظّمت في الفترة الأخيرة لتعبّر عن رفضنا القاطع لهذا المشروع، الذي أبدينا أيضاً رفضنا مناقشة أيّ تعويضات أو حلول وسطية مقابل تنفيذه». وعلى الرغم من أن الحراك الدبلوماسي قد لا يؤدي إلى تعطيله، يأمل أهالي الهضبة أن تتحرك الحكومة السورية لمساندتهم في هذا الاتجاه، وأن يطرح مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، الموضوع أمام الدول الأعضاء في المنظمة.