غزة | بعدما عادت عن رفضها تسلّم أموال الضرائب من إسرائيل منقوصة، طرأ تحسّن ملحوظ على نسب صرف رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، وإن ظلّت سياسة «التمييز» قائمة ما بين الضفة والقطاع. وفيما يرى خبراء أن رام الله اضطرت إلى هذا التراجع جراء اشتداد أزمتها الاقتصادية، تذهب أوساط «فتحاوية» إلى الحديث عن خطوات ممهّدة للانفكاك الاقتصادي عن الجانب الإسرائيلي!

مرّت عشر سنوات من الانقسام نعيماً على معظم موظفي السلطة الفلسطينية في غزة، ولا سيما الذين استجابوا لقرار رام الله وجلسوا في بيوتهم يتقاضون رواتبهم من دون دوام. عدد من هؤلاء، وخصوصاً منهم الأطباء والمهندسين، عادوا إلى العمل لأسباب مختلفة، فيما استغلّ آخرون الفرصة لتعاطي عمل إضافي أو السفر. ومع بدء أزمتها الاقتصادية، قررّت السلطة «قصقصة» هذا الوضع المريح بإلغاء المواصلات والنثريات وعدد من العلاوات... إلى أن أتت «الفاجعة». فقبل عامين، ارتأت رام الله وقف ما تسمّيه «النزف»، مع أنها لا تدفع لغزة من جيبها حصراً؛ إذ إن هناك واردات ضريبية يدفعها الغزيون، وأموالُ مانحين دوليين وعرب للقطاع حصةٌ أصيلة منها، فضلاً عما يحكى عن أن كلفة الإنفاق على موظفي القطاع لا تتخطّى ما يتمّ إنفاقه على مكتب الرئيس وحده من الموازنة العامة للسلطة!
هكذا، بدأ حسم ما بين 40% و60% من رواتب موظفي السلطة في غزة، ليصيروا على قدم المساواة مع موظفي حكومة «حماس» الذين يتقاضون نسبة شبيهة بسبب أزمة الحركة المالية، فيما أحالت السلطة عدداً آخر على التقاعد المبكر أو الإجباري. وفي شباط/ فبراير من العام الماضي، قرّرت رام الله إجراء المزيد من «التقشف المالي»، ليس بحق موظفي غزة فقط، وإنما ضدّ موظفي الضفة المحتلة أيضاً، بعدما صادرت إسرائيل جزءاً من الحصة الفلسطينية من أموال الضرائب المشتركة (المقاصة)، هي نحو 11 مليون دولار شهرياً (138 مليوناً عن سنة 2018)، لتعلن السلطة على إثر ذلك أنها لن تتسلّم الأموال منقوصة. رفضٌ كان ثمنه ضمّ موظفي الضفة إلى الحسومات، ولكن بنسبة أقلّ مما مورس في غزة، استمراراً لسياسة التمييز بين المحافظات الشمالية والجنوبية، والتي تحتجّ رام الله في شأنها بأن «موظفي غزة ليسوا على رأس عملهم». وجراء الخسارة الشعبية والمعنوية لحركة «فتح» بين مؤيديها، قررت وزارة المال التابعة لرام الله، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، العودة عن بعض الحسومات، بعدما قبلت تسلّم أموال الضرائب منقوصة عقب سبعة أشهر من الرفض. لكن ذلك لم يدْعُ الغزّيين إلى التفاؤل ــــ على رغم تحسين نسبة صرف رواتبهم إلى 75% ــــ وخاصة أن إسرائيل أعلنت أخيراً أنها بصدد مصادرة مبلغ جديد هو 150 مليون شيكل (نحو 42 مليون دولار)، ما يعني تجدّد الأزمة التي سيدفع أهل القطاع النسبة الأعلى منها، فضلاً عن الغموض الذي يكتنف مصير المستحقات التي كانت خقد حسمت منهم.
مصدر في وزارة المال في رام الله يقول «(إننا) سنشهد تحسّناً في نسبة الرواتب، إضافة إلى صرف ما تبقى من دفعات مالية، وبذلك ستغلق السلطة ملف مستحقات الموظفين في الضفة وغزة». لكن الاقتصادي نهاد نشوان يوضح أنه «ليس هناك مدخرات للموظفين في صندوق التأمين والمعاشات إلا القليل، بعدما استعانت الحكومة السابقة (رامي الحمد الله) بالمدخرات على هيئة قروض لم تُسدَّد بعد... هي مسألة وقت قبل انفجار الحقيقة»، مستدركاً بأن «المستحقات سوف تُسدَّد، ولكن بصورة بطيئة وتدريجية». ووفقاً لخبير الاقتصاد والمحاضر في جامعة بيرزيت، نصر عبد الكريم، فإن السلطة تعتمد على أموال الضرائب في دفع رواتب الموظفين بنسبة 70% من فاتورة الرواتب البالغة 600 مليون شيكل (166 مليون دولار) شهرياً، في حين أن النسبة المتبقية تأتي من الإيراد الداخلي.

راهنت السلطة على أن تأليف حكومة إسرائيلية جديدة سيعني نهاية الأزمة


وطوال مدة الأزمة، ظلّت رام الله تصرف رواتب الأسرى والشهداء والجرحى كاملة، في مخالفة للقرار الإسرائيلي، علماً بأنها كانت تحصل من إسرائيل على نحو 650 مليون شيكل شهرياً (180 مليون دولار). أما لماذا عادت وقبلت تسلّم الأموال منقوصة، فيقول رئيس «المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية» (مسارات)، هاني المصري، إن السلطة «خشيت، إن استمرّت في موقفها، أن يحدث تفاقم للأزمة الاقتصادية، وخاصة أنها في البداية راهنت على أن تأليف حكومة إسرائيلية جديدة سيعني نهاية الأزمة، كما أنها أدركت أن مصادرة الأموال ليست موضوعاً انتخابياً، بل ترجمة لقرار الكنيست». من جهته، يرى عدنان أبو عامر، وهو باحث في الشؤون الإسرائيلية، أن الارتباك الأخير على مدى أشهر يعود إلى أن السلطة «تنطلق في قراراتها الاقتصادية أو السياسية من ردود عاطفية، لا من جلسات نقاش علمية. الأمر أشبه بالفزعة العائلية من فتح والسلطة»، معتبراً أن «إثبات أن الأسرى ليسوا إرهابيين ليس بحاجة إلى موقف من المقاصة أدى إلى تجويع الشعب لشهور». وأدى قبول السلطة أموال الضرائب المنقوصة، إضافة إلى حصولها على إيرادات ضريبة «البلو» الخاصّة بالمحروقات التي تجبيها إسرائيل وتحوّلها مع أموال «المقاصّة»، إلى أن تحصل على دفعةٍ بملياري شيكل (نحو 555 مليون دولار). في المقابل، تذهب أوساط «فتحاوية» إلى أن قبول هذه الأموال وراءه السعي إلى الانفكاك الاقتصادي التدريجي عن الجانب الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، يقول القيادي في «فتح»، عبد الله عبد الله، إن الانفكاك «يستغرق وقتاً لتنفيذ جوانب معينة... هناك أشياء يمكن تنفيذها فوراً مثل قضية التحويلات الطبية إلى المستشفيات الإسرائيلية»، التي حصلت على 205 ملايين شيكل (58 مليون دولار) في 2019 من المالية الفلسطينية بدلاً من تقديم العلاج إلى الحالات المرضية الفلسطينية المحوّلة.
هل ستصير الموازنة بعيدة عن أموال الضرائب؟ يجيب عبد الله بأن «أزمة المقاصة معلقة، وهناك لجان محايدة تفحص حالياً الفواتير المُقدّمة ضدنا لمصلحة المستشفيات الإسرائيلية وشركة الكهرباء الإسرائيلية. هذه الفواتير غير دقيقة. أما بقية الأموال التي حُوّلت إلى السلطة وقبلت تسلّمها، فكانت سبب الانفراج في موضوع الرواتب». ويشير إلى أن قيادة السلطة قررت الحل بمسارات؛ منها «مراجعة اتفاقية باريس حتى نستورد من بعض الدول العربية المحيطة، ولهذا عقدت الحكومة اتفاقات مع ثلاث دول هي: العراق ومصر والأردن للتخفيف من الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي»، في إشارة إلى زيارة وفد، في مقدّمه رئيس الوزراء، محمد اشتية، لمصر، قبل ثلاثة أشهر. وتتمحور هذه الخطة، كما يشاع، حول «بناء خطة للتنمية العنقودية في الضفة ضمن عدد من القطاعات الاقتصادية»، إضافة إلى «تكوين وحدة جغرافية للضفة، لإعادة بناء الاقتصاد، وإنشاء منطقة تجارية حرة مع غزة».
أما عامر، فيرى أن الانفكاك بهذه الطريقة «كارثي»، لأن الخطة المحكى عنها «منفصلة عن الواقع، فالاقتصاد الفلسطيني تابع لإسرائيل، في حين أن اقتصادنا المحلي لا يساهم إلا بنسبة 15-20%... الصادرات الفلسطينية سنوياً إلى إسرائيل تبلغ 800 مليون دولار، وتشكل 85% من صادراتنا إلى العالم، وفي اللحظة التي تقرر فيها السلطة الامتناع عن شراء البضائع الإسرائيلية ستردّ إسرائيل بالمثل، علماً بأن حجم الصادرات الإسرائيلية إلى السلطة هو ثلاثة مليارات دولار سنوياً».