لم ينجح رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في طمس الندّية التي أظهرتها حركة «الجهاد الاسلامي» في المواجهة الأخيرة؛ فلا هو استطاع ردعها عن الردّ، ولا تمكّن من إخضاعها لشروط تُقيّد المقاومة، ولا قَدِر حتى على انتزاع رسائل تطمئن المستوطنين في جنوب فلسطين المحتلة وعمقها. يعني ذلك أن ما جرى لم يكن سوى جولة في سياق مواجهة متواصلة. ومن هنا، تفاوتت التقييمات بين مَن هم في الحكومة واتخذوا قرار العدوان، ومَن هم خارجها. نتنياهو رأى أن العملية «حققت أهدافها كاملة»، وأن «الرسالة وصلت وقواعد اللعبة تغيّرت»، فيما اعتبر وزير الأمن السابق ورئيس «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، أن «الجهاد نجحت في شلّ نصف إسرائيل»، متحدثاً عن فشل الرسائل الردعية للجولة التي بدأها الجيش، مضيفاً أن «الجولة المقبلة مسألة وقت فقط».

إزاء ذلك، ينبغي التنبيه ابتداءً إلى أن المعركة جرت بين حركة مقاومة في منطقة محاصَرة منذ سنوات، وكيان دولتي متطور جداً على مستوى قدراته التسليحية والتدميرية، لكنها شكلت مع ذلك تجسيداً لإدراك إسرائيل حدود استخدام قوتها المتفوقة. فرضت حركة «الجهاد الإسلامي» هامشاً واسعاً من المبادرة أدى إلى شلّ نصف الدولة العبرية، وهو ما يُعدّ من أهم المؤشرات الكاشفة عن تبدّل المعادلات، واضطرار إسرائيل إلى التكيّف معها. على أن ما جرى لم يكن سوى «أيام قتالية» شهدت خطوط المواجهة كثيراً منها في السنوات الماضية، فيما لا أحد يستطيع أن يُطمئن المستوطنين إلى أنه لن يتكرر سقوط الصواريخ في مراحل لاحقة. هذه المعطيات والحقائق تكفي وحدها لبلورة تقييم الجولة الأخيرة التي دامت 50 ساعة على أنها انتصار للمقاومة، سواء كان ذلك بالنقاط (مع الأخذ في الحسبان الهوّة في موازين القوة) أو بالبعد الردعي، وأيضاً على مستوى التأسيس لآفاق المقاومة في غزة ومجمل فلسطين.
اللافت أن نتنياهو عندما أراد الحديث عن إنجازات العملية، اعتبر أنها أثبتت قدرة إسرائيل على «الوصول إلى أيّ أحد، وفي فراشه أيضاً. وأهداف العملية (اغتيال القيادي بهاء أبو العطا) تحققت بكاملها». بهذا المعنى، من الواضح أن أقصى ما استطاع ادعاءه تحقيق إنجاز تكتيكي. ومن هنا كان تركيز الجيش ووسائل الإعلام على تعداد الشهداء الفلسطينيين والنقاط التي تم قصفها والوسائل القتالية التي تم تدميرها. لكن ذلك لا يعني تدمير قدرات «الجهاد»، ولا حتى إضعافها. وما تجاهله نتنياهو أيضاً أنه يمكن للحركة أن تتحدث عن إنجاز تكتيكي مضادّ ينطوي على رسائل استراتيجية، متمثل في شلّ نصف إسرائيل لأكثر من يومين على المستويات كافة، مع الإشارة إلى أن تقارير إسرائيلية تحدثت عن أن ما يحيّر الجيش هو أن «الجهاد» لم تستخدم صواريخها الأبعد والأقوى، الأمر الذي يعني أنها لم تتصرف بانفعال، بل كان ردّها مدروساً وينطلق من رؤية وتقدير دقيقين.

حذر ليبرمان من شبيه لحزب الله في غزة بعد ثلاث سنوات


ما تجاهله نتنياهو استراتيجياً، تناوله رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، اللواء عاموس يدلين، بالقول: «برؤية استراتيجية، في حالة تصفية أبو العطا، لا يدور الحديث عن تغيير جوهري في الوضع الأساسي في غزة. فالفصائل تواصل تشكيل تهديد كبير على الحياة الطبيعية في إسرائيل وأمن سكانها. (هذا) يستوجب في نهاية الأمر (شنّ) معركة عسكرية وسياسية أوسع بكثير». وأضاف يدلين: «من هنا، الجولة الحالية ليست معركة استراتيجية، والإنجاز الذي تم وضعه للعملية (الاغتيال) موضعي وتحقق في بدايتها». وبخصوص كلام نتنياهو عن أن «أعداءنا تلقوا الرسالة»، يجدر التساؤل عمّا إذا كانت عملية الاغتيال نجحت في ردع المقاومة؟ هذا ما لا يستطيع أحد في كيان العدو الركون إليه، حتى لو حاول وزير الأمن الجديد، نفتالي بينت، الذي سيكون مسكوناً بعقدة إثبات تمايزه، الادعاء أن «قواعد اللعبة الجديدة واضحة: الجيش سيعمل بحرية كاملة». ورأى يدلين أن «إسرائيل فقدت نجاعة نظام إنهاء المعركة. فممارسة ضغط مكثف على القطاع ليست ممكنة تحسّباً لتدخل حماس»، وهو ما يعني أنه ليست ثمة حاجة لانتظار المحطات اللاحقة لاستكشاف نتائج الجولة الأخيرة، في ظلّ الخشية الإسرائيلية الدائمة من التدحرج إلى مواجهة واسعة، فكيف يمكن إذاً الحديث عن تغيير في القواعد؟
هنا، يأتي ما حذر منه القيادي في حزب «أزرق أبيض»، يائير لابيد، من أن «التسوية مع الجهاد ليست جيدة، لأنها ستؤدي إلى الجولة المقبلة»، وأيضاً تنبيه ليبرمان إلى أن «الجولة المقبلة مسألة وقت»، على اعتبار أنه «لا توجد ضربة قاضية»، في إقرار بفشل الرسائل الردعية. وشدد ليبرمان على أن القضية الأساسية هي ما ستكون عليه النهاية في ما يتصل بآفاق الوضع في غزة، وهذا ما يهرب منه نتنياهو طوال الوقت. وأشار إلى أنه حاول إجراء نقاش داخل «المجلس الوزاري المصغر» حول ما تريده إسرائيل في نهاية المطاف مع القطاع، لكنه لم ينجح. ونبّه إلى أن القلق ينبع من المقارنة بين ما تملكه «حماس» الآن، وما كانت تملكه خلال «الجرف الصامد»، الأمر الذي يعني تحول الحركة بعد ثلاث سنوات إلى «حزب الله» تقريباً كما هو اليوم.