منذ عام 2000 إلى اليوم سقط 1260 قتيلاً جرّاء الجرائم المتفشّية بين فلسطينيي الـ48. الرقم المهول ليس إلا نتيجة دور مارسته الشرطة الإسرائيلية بطرق مباشرة وغير مباشرة أدّى نهاية إلى انتشار 400 ألف قطعة سلاح في أيدي منظمات الإجرام العربية ومن تُشغّلهم. وليس غريباً أنه في سنوات قليلة تحوّل القتل على خلفيات اجتماعية واقتصادية إلى ظاهرة تُقلق الأمن المجتمعي والشخصي هُناك. أمام هذه الحرب، حيث الشرطة التي من المفترض أن تحافظ على أمن الناس هي نفسها الشرطة التي تحتل البلاد، يقف فلسطينيو الـ48 بأحزابهم ولجانهم ورؤساء مجالسهم... عاجزين.

سيبقى الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2000 يوماً يُذكّر بارتقاء 13 فلسطينياً في الأرض المحتلة عام 1948، اليوم الذي فيه التحمت أجساد الفلسطينيين على امتداد الانتفاضة. حتى مطلع الشهر الجاري، سيظل كذلك، إلى أن يقرر أحد أتباع عصابة إجرامية في شمال فلسطين أن ينقض على أخوين بسلاحٍ ناري فيُرديهما قتيلين، بعدما طعن أحدهما شاباً آخر في وسط ساحة تعجّ بالطلبة المغادرين من مدارسهم في ساعات الظهيرة! في لحظات قليلة، سمع الطلاب وأهل قرية مجد الكروم أعيرة نارية، ثم رأوا إحدى الساحات المركزية في البلدة تتحوّل إلى بركة دماءٍ وفيها ثلاثة أجساد غارقة.
ثلاثة قتلى، إذاً، حوّلوا القرية من مكان وادع إلى شاهد على مجزرة اجتماعية. أمّا سبب الخلاف الذي تتحفّظ الشرطة عليه إلى الآن، معلنة حظر نشر على تحقيقاتها، فهو كما يرجح أقرباء العائلة أن «القاتل لم يدفع الإيجار الشهري لمحل يستأجره من أحد القتلى»، وعندما طالب الأخير به، هدّده القاتل: «إذا كنت رجلاً تعالَ وواجهني في المكان الفلاني». ما حدث كان صدمة، ليس لأن إهدار حياة ثلاثة أشخاص بسبب مبلغ مادي هو أمر تافه فقط، بل لأن جرائم العنف باتت طوفاناً جارفاً يصعب وقفه.

وصلت نسبة الفلسطينيين من مجمل القتلى إلى 67%


رد الفعل المجتمعي على الجريمة كان إغلاق شوارع رئيسية ومظاهرات حاشدة وصل فيها عدد المتظاهرين إلى عشرات الآلاف من المطالبين بأن تتوقف الشرطة الإسرائيلية عن تغاضيها المتعمّد في محاسبة القتلة ومعاقبتهم بالسجن، ولا سيما في مئات قضايا القتل التي «لم تتوصل فيها إلى المجرمين»، ليس بسبب ذكاء هؤلاء، بل لأنها لا ترغب في إغلاق دائرة العنف، عدا تنصلها من مسؤولية جمع السلاح بصفتها الجهة المسؤولة عن ذلك. والدليل أنه منذ عامين فقط، تمكّنت الشرطة من القضاء على منظمات الجريمة في أوساط اليهود، فتناقصت أعداد القتلى في هذا الوسط على نحو ملحوظ، بينما أعداد جرائم العنف ازدادت باطّراد وسط الفلسطينيين.

تخفيض الموازنة
«ثلث الميزانية المخصصة لمحاربة العنف في المجتمع العربي اقتُطعت»، هذا ما عنونته قبل أيام مجلة «كالكالستيم» الإسرائيلية، التي أضافت أن «وضع العنف والجريمة في المجتمع العربي لا يتحسن، على رغم الجهود التي تبذلها الحكومة للتعامل مع ذلك». أما ما جرى تخصيصه لمحاربة العنف، فأقيم بواسطته سبعة مراكز لمحطات شرطة جديدة، أضيف إليها 420 شرطياً عربياً. إذاً، ما تطرحه وزارة الأمن الداخلي، المسؤولة الأولى عن تفشّي السلاح وبخاصة الذي مصدره من جيش العدو نفسه، باعتراف الوزير جلعاد إردان قبل عامين، هو ليس لمحاربة العنف وإنما لتغذيته. فكيف يفسر تشغيل شرطيين عرب لم يقوموا حتى الآن بجمع قطعة سلاح واحدة (إلا فيما يخدم أهدافهم)، فيما هؤلاء الذين من المفترض أن «مهمتهم مجتمعية» لحفظ الأمن يجمعون المعلومات ذات العلاقة بالأمن القومي، وينشرون كاميرات لاستخدامات أمنيّة، ومحاولة تجنيد شبان القرى للاستخدامات نفسها؟
وفق آخر تقرير لـ«مراقب الدولة» بشأن العنف، ألغى إردان ميزانية تقدر بـ434 مليون شيكل (100 دولار = 349 شيكلاً)، رصدتها الشرطة لمحاربة الجريمة في الداخل الفلسطيني، على رغم الارتفاع المستمر واللافت للجرائم في البلدات العربية وسط تقاعس للشرطة وإهمالها في أداء مَهامها المنوطة بها. طبقاً للتقرير، قررت «الأمن الداخلي» في نيسان/أبريل من العام الماضي تحويل مبالغ ضخمة رصدتها الشرطة لميزانية 2018، إلى مصلحة مشروعات جديدة سعى الوزير إلى الدفع بها خلال العام الماضي. وبناءً على معطيات نشرها «معهد أبحاث صموئيل نئمان»، حول معطيات الأمن الشخصي في المجتمع الفلسطيني، تبين أن نسبة الفلسطينيين من مجمل القتلى ازدادت على نحو ملحوظ ووصلت إلى 61% عام 2018.
وفي حسابات أجرتها «كالكلستيم»، وصلت نسبة هؤلاء من مجمل القتلى في فلسطين المحتلة إلى 67% (نسبة الفلسطينيين من السكان بالمجمل هي 21%). ومنذ بداية العام الجاري، وصل عدد القتلى الفلسطينيين إلى 73 بناءً على معطيات «مركز أمان لمحاربة العنف»، وهي مماثلة تقريباً لمعطيات 2010. أمّا «مركز أبحاث وعلوم الكنيست»، فتوصّل إلى أن مؤشر ضحايا العنف في الوسط غير اليهودي أكبر بخمس مرات من المجتمع اليهودي، وأن 57% من المتهمين في قضايا قتل هم غير يهود.
قبل ثلاثة أسابيع، ادّعى إردان أن أسباب الجريمة «تربوية وثقافية»، وأضاف الوزير العنصري أن «الأم العربية تطلب من ابنها قتل أخته (لأسباب تتعلق بما يُسمى شرف العائلة)». تعقيباً على ذلك، يقول الباحث في مجال العنف والجريمة والأستاذ في الكلية الأكاديمية في الجليل الغربي نهاد علي، إن الوزير الإسرائيلي «كذّاب»، إذ أنه «حتى بداية العقد الأخير كان مؤشر الجريمة في المجتمع العربي أقل من اليهودي»، مستدركاً: «صحيح أن هناك جرائم على خلفية ما يسمى شرف العائلة أو على خلفية ثأر، ولكن غالبية الجرائم ليست نابعة من منطلقات تربوية وثقافية، بل نتيجة تغذية الشرطة للجريمة وتعميقها في المجتمع».

(من الويب)

ماذا عن عائلات الإجرام المعروفة عند الشرطة الإسرائيلية؟ تقول المعطيات الرسمية التي نشرتها الشرطة سابقاً إن منها تنظيم عائلة أبو لطيف التي يرأسها لطيف أبو لطيف، وتركِّز نشاطاتها في مناطق الشمال، ومركزها الرئيس في بلدة الرامة في الجليل الأعلى. وبينما تشتهر هذه العائلة بتجارة السلاح والمخدّرات، فإن منافسها الرئيس هو عائلة عبد القادر من مدينة الطيبة في المثلث الجنوبي. وترى الشرطة أن الأخيرة «الهدف رقم 1 في متابعتها للجريمة المنظمة»، لأنها «شغّلت الشرطة لمدة تزيد على ثلاثة عقود». ورئيسها هو مبروك عبد القادر من الطيبة، وتُنسب إليه تجارة السلاح والمخدرات وجمع الإتاوات. تُضاف إليهما عائلة جروشي التي تنشط في الرملة، وتدير نزاعاً شديداً مع عائلة دومراني العاملة في الجنوب، «لأن بعض البدو في الجنوب أحد أهم المصادر لتهريب السلاح والمخدرات»، وكذلك عائلة الحريري التي يرأسها مالك الحريري. وتتوفر لدى الأخيرة «كمية كبيرة من الأسلحة، ولذلك تتخوف الشرطة من الدخول إلى مربع الحريري لأن أبناء العائلة سيبادرون إلى إطلاق النار. ولهذه العائلة خلافات شديدة مع عائلة عبد القادر».

عجز فلسطيني
في الصورة العامة، بات أهل الأرض الذين احتُلت أرضهم يَحيون في واقع، لا تمتلك فيه القدرة على إدارة شؤون المجتمع الجهات التمثيلية مثل الأحزاب والأطر الاجتماعية والسياسية، وعليه تغلغلت الجريمة إلى الحد الذي باتت فيه ذات وزن مجتمعي. ولذلك، يطرح الموجودون في موقع القرار، مثل رؤساء المجالس المحلية، تنفيذ مشاريع اجتماعية في القرى والبلدات تهدف إلى الحد من العنف أو احتوائه على الأقل. مع ذلك، يعرف هؤلاء أنه بالتوازي مع طروحاتهم التي تحتاج إلى وقت طويل حتى تبدأ مفاعليها بالظهور، تتضخم الجريمة، فهم يعترفون ضمناً بأن الجهة التي تتحمل مسؤولية القضاء على العنف والتي لا بد من أنهم وضعوها ضمن طروحاتهم هي نفسها الجهة التي تُغذيه.
من الصحيح أن المجتمع الفلسطيني في الداخل يريد حلولاً للخروج من أزمته، ولكنه عاجز حتى الآن عن إيجادها رغم أنه ليس بعيداً عنه، وإن بظروف وأسباب مختلفة كلياً، انتفض يهود الفلاشا قبل شهور بسبب مقتل شاب منهم برصاص الشرطة، وكان ردّهم عنيفاً في الشارع بتكسير الممتلكات العامة وإغلاق الطرقات الرئيسية. والسبب في أن الفلسطينيين لم يقوموا بعصيان مدني حتى الآن هو أن الأحزاب التي منح جزء منهم ثقتهم فيها لا تريد ذلك بل هي تبحث عن الحلول مع الشرطة.