عمّان | على رغم موقفها الرافض علناً وفي الكواليس لما يسمّى «صفقة القرن»، أعلنت المملكة الأردنية مشاركتها في «مؤتمر السلام من أجل الازدهار» الذي ينعقد اليوم في العاصمة البحرينية المنامة. بعدما مهّد وزير الخارجية، أيمن الصفدي، للأمر، بالحديث عن «الاشتباك الإيجابي»، أفيد عن نية الأمين العام لوزارة المالية حضور المؤتمر، علماً بأن مسؤولين من هذا المستوى لا يملكون عادة صلاحية التقرير من دون الرجوع إلى مَن هم فوقهم. هذه المشاركة التي وُصفت بـ«الرمزية»، تستهدف على ما يبدو أمرين: الأول تحاشي إغضاب الإدارة الأميركية والدول الخليجية التي يرتبط بها الأردن بـ«خناق» مساعدات مالية، والثاني محاولة اللعب على حبال «صفقة القرن» ظنّاً من عمّان أن بإمكانها أن تأخذ منها ما تريد، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، من دون أن تعطي شيئاً في المقابل، أو مع تنازلات محدودة. ولعلّ ذلك هو ما قصده المتحدث باسم وزارة الخارجية بقوله إن «الأردن سيتعامل مع أي طرح اقتصادي أو سياسي وفق مواقفه الراسخة، فيقبل ما ينسجم معها، ويرفض أي طرح لا ينسجم مع ثوابته».

المدافعون عن قرار المشاركة يبرّرون وجهة نظرهم بـ«ضرورة بقاء عمّان على تماسّ مباشر مع جميع التفاصيل المتعلقة» بـ«صفقة القرن»، معتبرين أن ذلك لا يعني «الانسياق وراء رؤى تتضارب مع المصالح الأردنية». كما يعدّون «ورشة المنامة» «فرصة لتنمية الاقتصاد الأردني، مع الحفاظ على الثوابت». لكن حتى على هذا المستوى، يرى خبراء اقتصاديون أن «الورشة خاسرة»، كما يصفها الخبير محمد البشير، لافتاً في حديث إلى «الأخبار» إلى أن «هذا النوع من المؤتمرات والورشات ليس بجديد على الإدارات الأميركية، فقد سبقته عدة صيغ ما بين عامي 1994 و1997، وكان الحديث في حينه عن تدفق مليارات لإنعاش الدولة الفلسطينية المزعومة ودول الجوار وتحسين الوضع الاقتصادي ومشاريع تنموية، إلا أن ما حدث فعلاً كان تراجعاً على كل الصعد، سواء في معدلات النمو ونسب الفقر والبطالة، أو المديونية والتضخم والميزان التجاري، كل ذلك مع تدفق للمساعدات التي لم تنعكس على أرض الواقع، بل أسهمت في تدعيم النخب الحاكمة فقط».

سبقت إعلان المشاركة الأردنية رسمياً تظاهرات رافضة لـ«ورشة المنامة»


سياسياً، يصف عضو البرلمان الأردني خالد رمضان ما يجري الآن بأنه «إنذار القرن»، معتبراً، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «الأمريكان والصهاينة والدول الخليجية الموالية لهم يريدون أن يقولوا للفلسطينيين إنكم مهزومون، ونريد أن نعطيكم الفتات مقابل إقراركم بالهزيمة»، متوقعاً «فشلاً استراتيجياً للورشة». من جهته، يؤكد النائب خليل عطية أنه ضد أي مؤتمرات بهذه الصيغة، و«لكن نتيجة الضغوطات على الأردن من الأمريكان، الذين يدفعون نحو 1.6 مليار دولار سنوياً، شارك الأردن بوفد متواضع، مع تأكيد من قِبَل الخارجية الأردنية والمتحدث باسم الحكومة على الثوابت المستندة إلى حل الدولتين، ودعم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ورفض التوطين وأي مساس بحق العودة والقدس».
وسبقت إعلان المشاركة الأردنية رسمياً تظاهرات رافضة لـ«ورشة المنامة»، نظّمها الإسلاميون ظهر الجمعة الماضي في وسط البلد، وأخرى خرجت مساء اليوم نفسه بدعوة من القوى الوطنية والقومية واليسارية نحو السفارة الأميركية. هذا التشتّت حال، على ما يبدو، دون تشكّل رأي عام ضاغط على الحكومة. لكن مع ذلك، يرى نائب الأمين العام لـ«حزب الوحدة الشعبية الأردني» المعارض، عصام الخواجا، في تصريح إلى «الأخبار»، أن ثمة «استخفافاً رسمياً بالمزاج الداخلي الأردني الذي توحّد على رفض المشاركة»، معتبراً أن ذلك ينمّ عن «فقدان السيادة واستقلال القرار الوطني في القضايا المصيرية».
على أي حال، يظلّ القلق الأردني من «صفقة القرن» قائماً لأسباب عديدة، على رأسها أن الصفقة لا تضمن حماية مؤسسة العرش، كما أنها ـــ بحكم نصّها على توطين اللاجئين ـــ يمكن أن تزيد من التجاذبات الداخلية، وبالتالي تضاعف عناصر أرق النظام. كذلك، تكشف الصفقة ظهر السياسة الأردنية، أو بتعبير أدق تعرّيها، ما يزيد ضعف موقف عمّان في محيطها العربي، ويجعل منها موظف مراقبة لمخرجات العملية السياسية والاقتصادية بين الخليج وتل أبيب، من دون مردود وازن يعزّز مكانتها بعد انتهاء حقبة الأردن كوسيط تاريخي بين إسرائيل ودول الجوار، بحكم اتفاقية «وادي عربة».