دخلت إسرائيل في بازار تأليف الحكومة المقبلة قبل مشاورات تسمية رئيس الحكومة نفسه، وذلك بهدف كسب الوقت، ولكون الخيار الوحيد المطروح أمام رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، الذي سيبدأ مشاوراته النيابية اليوم (الإثنين)، هو تكليف بنيامين نتنياهو هذه المهمة. ويُتوقع أن يهيمن التجاذب داخل معسكر اليمين حول الحقائب وسلسلة مطالب أخرى، على الوضع السياسي الداخلي خلال الأسابيع المقبلة، انطلاقاً من أن مجموع الوقت المتاح لنتنياهو من أجل تأليف الحكومة 42 يوماً (28 + 14 يحق لرئيس الدولة منحه إياها) منذ تكليفه رسمياً.

المشكلة الأولى، ولعلها الأهم، التي تعترض طريقه إلى تأليف الحكومة المقبلة، هي الشروط التي يطرحها رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، والتي تستفز الحريديم، لكونه يطالب بتجنيدهم في الجيش وفق صيغة محددة يرفضونها لأسباب ترتبط بانتمائهم الديني، وهي مسألة حساسة جداً لهم. وكان قد تم إعفاء الحريديم من التجنيد الإلزامي منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948، وفق تفاهم كان وما زال سارياً. كذلك، يطالب ليبرمان، مقابل المشاركة في الحكومة، بتعهد نتنياهو بإسقاط حكم حركة «حماس» في غزة، والإبقاء على حقيبة الأمن من حصة «إسرائيل بيتنا»، ومنحه أيضاً حقيبة الداخلية المفترض أنها من حصة رئيس قائمة «شاس»، أرييه درعي. والجدير ذكره أن ليبرمان لا يخالف التوجه الرسمي السياسي والعسكري بأولوية مواجهة التحدي الذي تمثله الجبهة الشمالية كونها التهديد الأشد خطورة على «الأمن القومي»، ولكنه يرى أن سياسة الانكفاء التي تتبعها إسرائيل في مواجهة غزة تنطوي على رسالة ضعف تجاه الشمال، وتسمح للمقاومة الفلسطينية بتقويض قدرة الردع وانتزاع تنازلات من إسرائيل.
انطلاقاً من هذه الرؤية، يصير مفهوماً ما نقلته تقارير إعلامية إسرائيلية عن مسؤول في «إسرائيل بيتنا»، عن المفاوضات الحكومية، وفحواه أن حقيبة الأمن مسألة صغيرة، لكن التجاذب يتمحور حول أي سياسة أمنية ينبغي اتباعها، مؤكداً ما معناه أنه «لن نعود إلى حكومة تتبع السياسات نفسها التي استقلنا منها بسببها». كما شدّد المسؤول على أن حزبه لن ينضم إلى حكومة تقرر التهدئة مع «حماس»، بل إلى «حكومة تقضي على» الحركة. وكان ليبرمان قد استقال من وزارة الأمن في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، على خلفية خلافات مع نتنياهو ورئيس الأركان السابق، غادي أيزنكوت، بسبب رفضهما شن عدوان واسع على القطاع.

لا يبدو حتى الآن أن حزب «أزرق أبيض» متجه إلى الانضمام إلى الحكومة


وتنبع أهمية مواقف «إسرائيل بيتنا» من كونها تشكل العامل المرجِّح في تأليف الحكومة، استناداً إلى نيل الحزب 5 مقاعد من أصل 65 مقعداً حازها معسكر اليمين، وهو ما يعني أن من الصعب على نتنياهو تأليف حكومة من دونه. وللمقارنة، نال المعسكر نفسه في الانتخابات السابقة 66 عضواً، وهو ما سمح لنتنياهو آنذاك بتأليف حكومة بأغلبية 61 من دون «إسرائيل بيتنا»، الذي انضمّ لاحقاً بعدما لمس أن نتنياهو متوجه إلى تأليف حكومة وحدة مع حزب «العمل» آنذاك. أما الآن، فلا توجد غالبية تسمح لنتنياهو بتأليف حكومة يمينية من دون ليبرمان، وهو ما يمنح الأخير القدرة على الابتزاز والضغط.
في ظلّ معادلات كهذه، عادة ما كان يلجأ المرشح لتأليف الحكومة إلى المناورة عبر التلويح بخيارات بديلة، مثل ضم أحزاب أخرى بدلاً من المتشددين بهدف ابتزاز الآخرين. لكن في ضوء إعلان نتنياهو تأليف حكومة يمينية، وطبقاً للمواقف الحالية، لا يبدو حتى الآن أن حزب «أزرق أبيض» متجه إلى الانضمام إلى الحكومة (لا يوجد ما يمنع تغيّر هذا التوجه لاحقاً)، على رغم سعي ريفلين إلى تأليف حكومة وحدة. وعليه، تصبح الأحزاب اليمينية أكثر قدرة على الابتزاز، ويستطيع كل منها رفع مستوى الضغوط، خاصة أن الأحزاب الحريدية قادرة على شلّ نتنياهو بعدما نالت مجتمعة 15 عضو كنيست («شاس» 8، و«يهدوت هتوراة» 7) الأمر الذي حوَّلها إلى مركز ثقل لا بديل منه سوى حكومة وحدة مع «أزرق أبيض».
ووفق نتائج الانتخابات، فإن «كولانو»، الذي يترأسه موشيه كحلون، هو الوحيد الذي يستطيع نتنياهو ــــ نظرياً ــــ الاستغناء عنه في تأليف الحكومة المقبلة، لكونه نال 4 مقاعد من أصل 65. لكن تقول التقارير الإعلامية إن كحلون معنيّ بالانضمام إلى قائمة «الليكود»، وهو ما قد يمنحه موقعاً أفضل في التفاوض، ويرفع حصة «الليكود» إلى 40 مقعداً. وتلفت التقارير نفسها إلى أنه في مقابل وزارتين لكحلون، سيحصل نتنياهو على دعم لتحصينه ضد الإجراءات القانونية المتوقعة بفعل اتهامه بالرشى.