توجّه رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى تشاد، في زيارة وصفها بـ«التاريخية»، عادّاً إياها إشارة على نجاحاته في توسيع علاقات إسرائيل بالعالمين العربي والإسلامي، و«إغاظةً» لإيران والفلسطينيين. الزيارة التي تأتي في الشكل رداً على زيارة سابقة للرئيس التشادي، إدريس ديبي، لتل أبيب في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تحمل في المضمون أكثر من دلالة وهدف.

أولاً، تهدف الزيارة إلى تطوير العلاقات مع تشاد، الدولة ذات الغالبية الإسلامية الواضحة، وهذا جزء لا يتجزأ من سياسة إسرائيل الخارجية لتطبيع وجودها ثم علاقاتها مع هذه الدول، من دون ربط بالقضية الفلسطينية وانتظار حلولها التسووية التي طالما رُبطت بها. هذه هي أهم أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية في السنوات القليلة الماضية، بتشجيع عملي وفعلي من معظم الدول العربية، والخليجية تحديداً، ما يدفع تل أبيب أكثر إلى الرهان على إنهاء قضية فلسطين بلا تداعيات. من ناحية إسرائيل والقوى اليمينية المسيطرة على القرار السياسي في تل أبيب، وعلى رأسها نتنياهو (الزائر)، تُعدّ الزيارة دليلاً على الصوابية في إمكان طمس القضية الفلسطينية وإنهائها وإذابة وجودها، من دون أي تداعيات مؤثرة خارجية، عربية أو إسلامية، على نقيض من منطق التسوية مع الفلسطينيين، الذي طالما انتهجه اليسار الإسرائيلي شبه البائد، في ربط التسوية بتطبيع وجود إسرائيل لدى العالمين العربي والإسلامي.
ثانياً، لا تُعدّ تشاد دولة في مصافي الدول الرائدة أو ذات التأثير السياسي والاقتصادي العالمي كي تكون قبلة إسرائيل في علاقاتها الخارجية، لكنها دولة هدف لغيرها، وتحديداً في ما يتعلق بكتلة الدول الأفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الأفريقية الكبرى البالغ عددها سبعاً، مثل مالي والسودان.. التي اتصفت في الماضي بإغلاق سياسي شبه كامل على إسرائيل، سواء في القارة نفسها أو المحافل الدولية. قد يؤمّن تطوير العلاقات مع تشاد، وتظهيرها أيضاً، لإسرائيل، واقعاً تشجيعياً لقوس الدول السبع شمال غرب القارة، كي تحذو حذوها في القريب العاجل.

سيكون متاحاً لـ«الموساد» التغلغل أكثر في هذا البلد على المستوى الأمني


ثالثاً، من شأن الزيارة والانفتاح العلني في أعقابها على علاقات تطبيعية أن تنقل الموساد الإسرائيلي باتجاه دائرة تركيز أشمل، من مجرد رعاية المصالح بين الجانبين إلى استغلال الموارد بصورة أنجع لمواجهة الأعداء وفي المقدمة إيران، وخاصة أن تشاد بحاجة إلى السلاح والتدريب العسكري وتعزيز الموقف الأمني أمام تحديات أمنية في منطقة محيطة متوترة، ما يتيح لـ«الموساد» التغلغل أكثر في هذا البلد أمنياً، وتحويله إلى محطة تتبع للأعداء، والعمل على ضرب مصالحهم في الدول الأفريقية، وهو ما لا ينكره الإسرائيليون، بل كان في الماضي القريب محل سجال بحثي إسرائيلي حول الطريقة الأمثل لمنع تنمية علاقات إيران بالقارة الأفريقية.
بطبيعة الحال، في الجانب التشادي، لا يشكل الانفتاح على إسرائيل أي تهديد جدي للمصالح التشادية الخارجية، وخاصة أن التقدير في العاصمة أنجمينا أن الأنظمة العربية ستنظر إلى تطوير العلاقات مع إسرائيل وعلانيتها على أنها خطوة تساهم في دفع سياسات عربية تطبيعية مع تل أبيب، باتت مطلباً رئيساً في هذه المرحلة لدى عدد كبير من الحكام العرب، والخليجيين تحديداً.
رابعاً، لا تخلو الزيارة من أهداف ومصلحة شخصية ترتبط بوضع نتنياهو السياسي والقضائي، وتحديداً حملته الانتخابية ــــ على رأس حزب «الليكود» ــــ لانتخابات الكنيست المبكرة المقرر إجراؤها في التاسع من نيسان/ أبريل المقبل، في موازاة استخدام الزيارة و«النجاحات» في السياسة الخارجية التي يربطها نتنياهو بشخصه لمواجهة لوائح اتهام في قضايا فساد ورشى يبدو أنها باتت قريبة، الأمر الذي يمكّنه من تخفيف وطأتها، إلى أن تتقرر المحاكمة ومجرياتها وإصدار الحكم الذي يبدو أنه سيكون بعيداً من ناحية زمنية.
زيارة نتنياهو، التي شهدت أمس إعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، هي الأولى من نوعها منذ زيارة رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير عام 1969. وتشهد الزيارة على تخاذل العرب وتخليهم عن فلسطين وقلب تموضعات الحكام العرب بالتحالف مع إسرائيل. وهي ما كانت لتتم لولا هذا التخاذل، ما دفع نتنياهو إلى التشديد على ظروف الزيارة التي تخدم موقع إسرائيل في حربها ضد إيران، العدو الرئيس لها، إضافة إلى الفلسطينيين: «تشاد دولة مسلمة شاسعة لها حدود مع ليبيا والسودان. هذا جزء من الثورة التي نقوم بها في العالم العربي والمسلم. يمكنني أن أقول إن هذا يُزعج، بل حتى يثير غيظ إيران والفلسطينيين. إنهم يحاولون منع هذا. أعدكم بأنه سيكون هناك المزيد من الزيارات».