أن يعلن أحد أهم المراكز البحثية الإسرائيلية، «معهد أبحاث الأمن القومي»، أن الحرب في 2019 باتت مرجحة بما يشمل جبهتي الشمال والجنوب، هذا يشير إلى إمكان نظري معقول بانتقال إسرائيل إلى حدود المجازفة في هذه الجبهات، وتحديداً في الساحة الشمالية مقابل سوريا ولبنان، بعد إدراك أن «الخطوط الحمر» كما رسمت قبل سنوات لم تؤتِ النتائج المؤملة منها. مع ذلك، معاينة ما ورد في «التقدير الاستراتيجي السنوي» للمعهد مفيدة في معرفة الغايات المرسومة والمطلوبة للمصالح الإسرائيلية تجاه ساحات المواجهة، مع أو من دون تحققها لاحقاً، وبما يقرب من رؤية أصحاب القرار في تل أبيب، مع معاينة الخلاصات التي جرى التوصل إليها بحثياً، كونها جزءاً لا يتجزأ نسبياً من عناصر القرار في تل أبيب.

لكن التقديرات المبنية على أحادية الرؤية تحمل في طياتها أيضاً عوامل فشلها، وإن كانت تبدو مرجحة. التقديرات الاستراتيجية وشبه الحسم في نتائجها، وتحديداً ما يتعلق بالمواجهات العسكرية، مقبلة من دون جدال أيضاً على متغيرات قد تعترضها وتفسد ما توصلت إليها من نتائج وخلاصات. والأمر متساوٍ بين استبعاد الحرب أو ترجيحها، وهو ما حدث للمعهد، بل أيضاً للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في السنوات الماضية. واللافت أن التقدير قائم على خلاف ما كان رئيس أركان الجيش المغادر، غادي ايزنكوت، قد أكده في اليومين الماضيين، وتحديداً ما سمّاه النجاحات في منع تعاظم الأعداء في الشمال. معطيات التقدير تشير بلا جدال إلى فساد كل ما ورد على لسان ايزنكوت من نجاحات، وتؤكد استمرار التهديد وفشل الاستراتيجيات المفعلة قبالته.
والتقدير، الذي ينشغل سنوياً في تلخيص الوضع الاستراتيجي لإسرائيل مع اقتراح استراتيجيات سياسية وأمنية لمواجهة التحديات، يشير إلى أنه على رغم الردع المتبادل بين الأطراف، فإن إمكانية التصعيد مع إحدى الجبهات والانجرار في أعقاب ذلك إلى مواجهة تمتد إلى كل الجبهات «وارد بقوة». يسمي التقدير هذا الوضع «حالة كل شيء»، ما يعني مواجهة تشمل إيران وسوريا وحزب الله في الشمال، وأيضاً المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة.

حرب الشمال الأولى
سيناريو الحرب مقابل إيران وحزب الله والنظام السوري هو التهديد الأكثر خطورة على إسرائيل في 2019. يرد في التقدير أن إسرائيل شنت هجمات أضرت بالبنية التحتية الإيرانية في سوريا، لكن من المشكوك فيه أن يؤدي ذلك إلى تنازل إيران عن حضورها هناك. في الوقت نفسه، انتعاش سوريا عسكرياً وتسلحها من جديد لا يسهلان على إسرائيل مهامها، بل يقلصان حرية عملها عسكرياً.

لم تؤتِ «الخطوط الحمر» كما رسمت قبل سنوات النتائج المؤمّلة منها


الدعم الإيراني لحزب الله ليس جديداً، لكن الجديد هو نقل السلاح النوعي المتطور إليه، وهو ما يقلق إسرائيل بصورة كبيرة جداً. مصدر قلق إضافي، وربما أساسي، هو مشروع تحويل صواريخ الحزب إلى فائقة الدقة، وتحسين قدرة الدفاع الجوي لديه، مع التزود بصواريخ بر ــــ بحر بعيدة المدى. مواجهة هذا التهديد في لبنان يكون عبر إجراءات وأساليب أكثر تعقيداً مما هي عليه الإجراءات في سوريا منذ سنوات، وهي إجراءات وصلت أيضاً إلى مرحلة الاستنفاد، ما يفرض على إسرائيل تحديث الطرق والوتيرة في ساحات العمل إلى حد بلورة مفهوم جديد لإدارة معركة ناجعة، وفي الوقت نفسه الامتناع عن الانزلاق صوب مواجهة شاملة.

التحدي الجنوبي
إمكانية الاشتعال في غزة مع حركة «حماس» مرتفعة جداً في 2019، حتى إن كانت خطورة التهديد أقل مما عليه في الساحة الشمالية. أسباب ذلك تدهور الوضع الاجتماعي الاقتصادي في القطاع وما يقابله من ضغوط السلطة الفلسطينية على «حماس» وكذلك تقويض قدرة الردع الإسرائيلية قياساً بما كانت عليه في أعقاب العمليات العسكرية عام 2014. في حال لم يتسبب التهديد الشمالي في عملية عسكرية مبادر إليها من إسرائيل، يجب أن تتحول الجهود كلها إلى الجنوب والقطاع، والعمل على بناء الردع تجاه «حماس» والإضرار على نحو كبير جداً بذراعها العسكرية هناك. مع ذلك، الوضع في غزة قابل أكثر من غيره للانفجار وإن لم يكن هو الأكثر خطورة من ناحية إسرائيل.

النووي الإيراني
هناك فرصة مقلصة لسيناريوات متطرفة خلال 2019، ضمن سيناريوين: إمكان القفز الإيراني إلى السلاح النووي كما حدث مع كوريا الشمالية، وهو منخفض المعقولية، كما أن سيناريو سقوط النظام في دوره منخفض المعقولية. ووفقاً لكل المؤشرات هو «نظام مستقر ويملك قدرة على مواجهة التحديات الداخلية».

الانسحاب الأميركي
الدعم الأميركي مستقر، لكن على إسرائيل أن تستعد لمواجهة أي قرارات مفاجئة قد يقدم عليها الرئيس دونالد ترامب. قراره إخراج القوات الأميركية من سوريا لا يضر أمن إسرائيل على المدى القصير، لكنه يعزز أعداءها ويسهل عليهم التعاظم في سوريا على المدى الطويل.

في التوصيات
من الملائم التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة يتعلق بـ«النووي الإيراني»، بما يشمل جهوداً استخبارية وإنذاراً مسبقاً وتحديد خط أحمر إن تجاوزته إيران، فسيتبع التحرك في مواجهتها عسكرياً، وتحديداً ما يتعلق بخرق الاتفاق من جهتها، وبالتأكيد إن حاولت القفز إلى قنبلة نووية.
على إسرائيل أن تؤمن الموارد المطلوبة من خطط واستعداد وبناء قوة تسمح باستعدادات عملياتية مقابل إيران التي تسعى إلى التحول إلى دولة نووية. كما عليها أن تتفاهم مع الولايات حول اتفاق نووي جديد، ضمن تسوية ما، على ألا يمس المصالح الأمنية لإسرائيل، وفي الوقت نفسه العمل على منع إيران من التسلل إلى سوريا وأن تسير المعركة في مواجهة هذا التسلل ضمن ضابطة الإبقاء عليها في سوريا من دون غيرها، وألا تنسحب إلى إيران أو لبنان.
ترميم الجيش السوري بدأ. وقد يؤدي إلى اندفاعة أكثر للنظام في مواجهة نشاطات سلاح الجو الإسرائيلي. في سوريا أيضاً، على إسرائيل ألا تسمح لنفسها بالوصول إلى مواجهة مع الجانب الروسي وتعمل ما بوسعها للحؤول دونها، وذلك مع ضرورة العمل على مواصلة منع نقل السلاح النوعي إلى حزب الله في لبنان، ما دامت الظروف الاستراتيجية تسمح بذلك.
على إسرائيل أن تستعد للعمل في لبنان ضد الصواريخ الدقيقة والبنية التكنولوجيا لإنتاجها، وإذا اتخذ قرار كهذا، ينبغي الأخذ بالحسبان إمكان أن يؤدي إلى مواجهة واسعة ومتواصلة مع حزب الله، ما يدفعه إلى إظهار قدراته الهجومية والدفاعية بما يشمل الدفاع البري والجوي والدفاع ضد الصواريخ.
تجاه روسيا والصين، يؤكد التقرير ضرورة العمل على مواصلة علاقات جيدة مع البلدين، وتحديداً تطوير العلاقات التجارية معهما، مع حوار مفتوح يؤسس لعلاقات تقارب، لكن مع الحذر بألا يكون ذلك على حساب الحليف الوحيد والموثوق لإسرائيل، وهو الولايات المتحدة.
على إسرائيل أن تتبع سياسية مدروسة تجاه الاستثمارات الصينية مع محاورة الأميركيين بما يتعلق بهذه الاستثمارات، على خلفية أنهم حساسون جداً من إمكان نقل التكنولوجيا إلى الصين. مع موسكو، يجب العمل على زيادة مساحة التنسيق لمنع الاحتكاك في سوريا، بجانب التوصل إلى اتفاق يقضي بتقليص تزويد سوريا أسلحة إلى حزب الله. وفي الوقت نفسه، محاولة تقليص الدعم الروسي لإيران.

فلسطين
مبادرة إدارة ترامب إلى «صفقة القرن» تتأخر، والقطيعة بين الإدارة والفلسطينيين تصعّب دفع هذا المسار. مع ذلك واشنطن و«العالم العربي السني البرغماتي» يتوقعون مساراً إسرائيلياً يتعلق بـ«بوادر حسن نية». سلطة «حماس» في غزة ليست شريكاً في المسار السياسي، ويجب الاستعداد للمواجهة معها، علماً أن أي ترتيب سياسي مع الحركة، وهي منظمة لا تعترف بإسرائيل، يؤدي إلى الإضرار بـ«المعتدلين الفلسطينيين»، ويشجع على تنبي المسار «الحمساوي» العدائي.