لا تزال الإجراءات العقابية الأميركية ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس مستمرّة. بعد اعتراف الإدارة الأميركية بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووقف واشنطن تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، قرّرت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، متّهمة القادة الفلسطينيين بعدم إجراء «مفاوضات مباشرة ومهمة مع إسرائيل».

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، هيذر نويرت، في بيان، إن «قادة منظمة التحرير الفلسطينية انتقدوا الخطة الأميركية للسلام حتى قبل الاطلاع عليها ورفضوا التحدث مع الحكومة الأميركية في شأن جهودها من أجل السلام». وأضافت: «قرّرت الإدارة أنّ مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن سيُغلق في الوقت الراهن».
القرار الأخير يأتي بعد سلسلة إجراءات اتخذتها إدارة ترامب، بهدف الضغط على السلطة الفلسطينية للدخول في مفاوضات مباشرة لتصفية القضية الفلسطينية في ما بات يُعرف رسمياً بـ«صفقة القرن». وقد سبق هذا القرار اقتطاع أكثر من عشرين مليون دولار أميركي كانت مخصصة لمشافي مدينة القدس المحتلة، وإلغاء أشكال الدعم المادّي الأميركي كافة لوكالة «الأنروا»، ووقف المنح والمساعدات المالية للسلطة، سبقه الاعتراف الأميركي بالقدس «عاصمة لإسرائيل»، ونقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس.
وسبق لإدارة ترامب أن حذّرت العام الماضي، من أنها ستقفل مكتب المنظمة، بعدما أعلن رئيس السلطة الفلسطينية نيّته التوجه إلى الجنائية الدوليّة ومنظمات دوليّة أخرى لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين متّهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين.

بولتون يهدد الجنائية الدولية
هددت الولايات المتحدة، اليوم، بفرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العامين، في حال لاحقوا أميركيين أو إسرائيليين أو حلفاء آخرين للولايات المتحدة. وقال مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جون بولتون، «سنمنع القضاة والمدعين العامين من دخول الولايات المتحدة. سنستهدف أملاكهم بعقوبات في إطار النظام المالي الأميركي، وسنطلق ملاحقات بحقّهم عبر نظامنا القضائي». واتهم بولتون، أمام منظمة «فدراليست سوسايتي» المحافظة في واشنطن، المحكمة الجنائية الدولية المكلّفة محاكمة مرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بأنّها «غير فعالة وغير مسؤولة وخطيرة»، محذراً من فتح أي تحقيق بحق عسكريين أميركيين شاركوا في الحرب في أفغانستان.
تابع بولتون أن «المحكمة الجنائية الدولية يمكن أن تفتح بأي وقت تحقيقاً رسمياً بحق هؤلاء الوطنيين الأميركيين». وقال: «اليوم عشية الاحتفال بذكرى الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، أريد أن أوجّه رسالة واضحة لا لبس فيها من قبل رئيس الولايات المتحدة: إنّ الولايات المتحدة ستستخدم كل الوسائل اللازمة لحماية مواطنينا ومواطني حلفائنا من ملاحقات ظالمة من قبل هذه المحكمة غير الشرعية».
كما حذر أيضاً من أي تحقيقات قد تقوم بها هذه المحكمة تستهدف إسرائيل بناءً على طلب من السلطة الفلسطينية. وقال في هذا الإطار: «في حال استهدفتنا هذه المحكمة أو استهدفت إسرائيل أو حلفاء آخرين لنا، لن نقف مكتوفي الأيدي»، معلناً عن سلسلة من الإجراءات الممكنة من بينها عقوبات تستهدف العاملين في المحكمة.

«كبير المفاوضين»: القرار بمثابة هجمة على العدالة الدوليّة
تعليقاً على قرار واشنطن إغلاق «المكتب»، الذي أُبلغت فيه السلطة الفلسطينية رسميّاً، قال كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، إن «القرار بمثابة هجمة جديدة على العدالة الدوليّة»، مؤكداً أن السلطة الفلسطينية «ستواصل مسارها في الجنائية الدولية لمواجهة السياسات الأميركية».
أمين سر اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير»، أدان القرار الأميركي، واصفاً الخطوة الأخيرة بـ«الهجمة الأميركية التصعيدية المدروسة»، ومنوهاً إلى أنه «ستكون لها عواقب سياسية وخيمة في تخريب النظام الدولي برمته من أجل حماية منظومة الاحتلال وجرائمه».
وأعلن عريقات أن السلطة «تبلّغت رسميّاً بأن الإدارة الأميركية ستقوم بإغلاق سفارتنا في واشنطن، عقاباً على مواصلة العمل مع المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، وستقوم بإنزال علم فلسطين في واشنطن العاصمة ما يعني أكثر بكثير من صفعة جديدة من إدارة ترامب ضد السلام والعدالة». وأضاف: «ليس هذا فحسب، وإنما تقوم الإدارة الأميركية بابتزاز المحكمة الجنائية الدولية أيضاً وتهدد مثل هذا المنبر القانوني الجنائي العالمي الذي يعمل من أجل تحقيق العدالة الدولية».
إلى ذلك، اعتبر عريقات أنه «بإمكان الإدارة الأميركية القيام باتخاذ قرارات متفردة وأحادية خدمة لليمين الإسرائيلي المتطرف، وبإمكانها إغلاق سفارتنا في واشنطن، وقطع الأموال عن الشعب الفلسطيني، وقف المساعدات بما فيها التعليم والصحة». لكنها بحسبه «لا يمكن أن تبتز إرادة شعبنا ومواصلة مسارنا القانوني والسياسي وخاصة في المحكمة الجنائية الدولية، وسنتابع هذا المسار تحقيقاً للعدالة والانتصاف لضحايا شعبنا». وقد دعا المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية إلى «الإسراع في فتح تحقيق جنائي فوري في جرائم الاحتلال الإسرائيلية».
أمّا بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة، فقال عريقات: «سنقوم باتخاذ التدابير الكفيلة لحماية مواطنينا الذين يعيشون في الولايات المتحدة، من أجل الوصول إلى خدماتهم القنصلية». ولفت إلى أن السلطة لن «تستسلم للتهديدات والبلطجة الأميركية وسنواصل نضالنا المشروع من أجل الحرية والاستقلال، ما يتطلب من المجتمع الدولي التحرك فوراً للرد على هذه الهجمات الأميركية ضد شعبنا».