صباح كل يوم، تتوقف مجموعة من الحافلات الصغيرة التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود أمام العيادات الخمس في قطاع غزّة وينزل منها الكثير من الشبان، الذين بالكاد يستطيعون النزول وهم يمسكون أرجلهم المثبّتة بجهاز معدني لكي تبقى مستقيمة. وحالما ينزلون، يلتقطون العكازات ويتجهون إلى العيادة. في الداخل، ينتظر المرضى دورهم للمعاينة، بينما تبدو مُثبتّات الكسور الخارجية من أسفل ملابسهم الرياضية التي تمّت خياطتها بعنايةٍ.

دولت حميدية، البالغة من العمر 33 عاماً، هي واحدة من الإناث القلائل نسبياً مقارنة مع عدد الذكور المصابين، التي تتلقّى العلاج في عيادة أطباء بلا حدود بعد إصابتها بطلقٍ ناري. تزور دولت عيادة بيت لاهيا على كرسيٍّ متحرّك، وساقها ممدودةٌ أمامها. تتحدّث عن يوم 14 مايو/ أيار الذي كان الأكثر دموية قائلةً: «كانت أوّل مرّة أقترب فيها من السياج الفاصل لأنّني أردت رؤية ما يحدث، وأحضرت معي للشبّان المحتجّين بعض الماء والعطر لإزالة آثار الغاز. تمّ نقلي بعد تعرّضي للإصابة إلى المستشفى الإندونيسي، وكانت عيناي مفتوحتين ولكنّني لم أكن أُبصر، لكن كنت أسمع كلّ شيء. كانوا يظنون أنّني فارقت الحياة، ولذلك وضعوني في مشرحة المستشفى، ولكن بعد عشر دقائق لاحظ أحد الأطباء أنّني ما زلتُ حيّة وأخبر الجميع أنّ قلبي ما زال ينبض».
لم تكن دولت تعمل فقط كمزيّنة شعرٍ في السنوات العشر التي سبقت إصابتها، بل كانت تقوم برعاية والدها المريض أيضاً، وتقول: «أشعر بالألم العميق لأنّني لا أستطيع مساعدة والدي، وقد أصبحت بحاجةٍ إلى الرعاية مثله الآن». وتُضيف بنبرة إحباط: «تزداد صعوبة الوضع كلّ يوم، فأنا جالسةٌ في المنزل طوال الوقت. لقد دمّر هذا الحادث حياتي وحياة عائلتي».
تزور دولت عيادة أطباء بلا حدود ثلاث مرّات أسبوعياً لتغيير الضماد، وعليها أن تُبقي المثبّت الخارجي على ساقها لمدّة خمسة أشهر على الأقلّ، كما أنّها خائفةٌ من المستقبل حيث تقول: «أخشى أنّني لن أعود كالسابق، ولن أستطيع المشي أبداً». من المؤسف أن مخاوف الكثير من المرضى مثل دولت لها ما يبرّرها، في حين يعاني الكثير من المرضى من العواقب النفسية نتيجة تراكم الألم الجسدي، والضائقة المالية والضغط الاجتماعي.
ومنذ نهاية شهر مارس/ آذار، شهدت تظاهرات «مسيرة العودة الكُبرى» سقوط أكثر من 150 فلسطينياً برصاص قوات الجيش الإسرائيلي، إضافةً إلى أكثر من 4100 جريح. وعالجت المنظمة منذ ذلك التاريخ أكثر من 1,700 مريض معظمهم أصيب بأعيرةٍ نارية. كما تغير أطباء بلا حدود الضمادات وتقدّم العلاج الطبيعي على مستوىً يعكس الكمية والشدّة المفاجئة للإصابات. وكانت فرق المنظمة قد أجرت منذ 30 مارس/ آذار عام 2018 أكثر من 40,000 تغيير ضماد لمرضى الإصابات البالغة، كما ساعدت الأشخاص الذين يمكنهم التعافي واستمرّت في متابعة الأشخاص الذين تحتاج إصاباتهم إلى المزيد من العمل الجراحي.

سنشهد على الأرجح موجةً ثانية من عمليات بتر الأطراف


حال دولت شبيهة بالوضع الصحي لرائد بورديني الذي يبلغ من العمر 24 عاماً، ويقيم في مخيم المغازي: «لم أشعر بشيء في البداية عندما أصبت بطلقٍ ناري، كان الأمر أشبه بصعقة كهربائية، ثم جلستُ فجأةً ولم أستطع التحرّك. كنت أحاول أن أسحب نفسي إلى الخلف ولكنّني لم أستطع، وكنت أنزف بشدّة وأشعر بالخوف من تأثير الإصابة على ساقي، لأنّ الجرح كان مفتوحاً تماماً حيث اخترقت الرصاصة ساقي من الخلف إلى الأمام». يقوم رائد بمراجعة العيادة عدّة مرّاتٍ أسبوعياً لتغيير الضماد كما أنّ المثبّت الخارجي ما يزال موجوداً على ساقه. يقول رائد: «أشعر بألمٍ شديد، وأتناول الكثير من الأدوية مثل ايبوبروفين وباراسيتامول لكنها لا تجدي نفعاً، وأخشى أن ساقي لن تعود إلى ما كانت عليه، كما أشعر بالفزع عندما أعجز عن الوقوف وأعرف أنّ هناك مشكلةً جديّة».
وفي هذا الصدد تقول رئيسة الفريق الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود في غزّة، باسكال مارتي: «سنشهد على الأرجح موجةً ثانية من عمليات بتر الأطراف، فجروح الأعيرة النارية هي من الناحية الطبية جروحٌ ملوّثة، لأنّ الرصاصة دخلت إلى الجرح، وهذا يعني أنّ هناك نسبة التهابات عالية». تشكل الكسور المفتوحة الملتهبة من هذا النوع المعقّد خطراً على حياة المصابين، ولا يبقى أمام الأطباء سوى خيار البتر في حال عدم إمكان إجراء الجراحة التقويمية.
عادةً ما يتطلّب هذا النوع من الجروح الشديدة ومعدّلات الالتهاب المرتفعة إدخال المريض إلى المستشفى، ولكنّ النظام الصحيّ المتداعي في غزّة لا يستطيع استقبال هذا العدد المرتفع من المرضى. محمد أبو غزة البالغ من العمر 25 عاماً أُصيب أيضاً بطلقٍ ناري في 6 أبريل/ نيسان قرب رفح. وعلى الرغم من تهشّم ركبته إلّا أنّ المستشفى قام بتخريجه أكثر من مرّة. يقول محمد: «تمّ تخريجي من المستشفى بعد 6 أيام من إصابتي لإفساح المجال للمرضى الآخرين الذين أُصيبوا في الجمعة التالي. وعُدت بعدها إلى المستشفى أكثر من مرّة وأنا أعاني من الحمّى والألم، ولكنهم رفضوا إدخالي لعدم وجود أماكن شاغرة». أحالت منظمة أطباء بلا حدود محمد إلى مستشفىً آخر حيث خضع لعملية جراحية، ولكنّ الأمر نفسه تكرّر من جديد. ويتابع محمد: «مكثت في المستشفى الجديد مدّة أسبوع، ولكنّهم قاموا بتخريجي لإفساح المجال للموجة الجديدة من المصابين».
توضح ماري ــ إليزابيث إنغريس، رئيسة بعثة أطباء بلا حدود في غزّة، أنَّ «الكسور المفتوحة تهيمن على معظم الإصابات التي نستقبلها، كما أنّ معظمها أسفل منطقة الركبة، إضافةً إلى فقدان كمية كبيرة من الأنسجة، وهو ما يؤدّي إلى الإضرار بالأوردة والأعصاب أيضاً. وغالباً ما يحتاج العديد من الجرحى إلى عملياتٍ جراحيةٍ متعدّدة لإغلاق الجرح».
هذا هو هدف العمليات الجراحية التي يخضع لها المصابون في مستشفى الصداقة، كما تشرح الدكتورة كاميل رودكس، المتخصصة في جراحة تقويم العِظام: «هدفي يكمن في تثبيت استقرار الجرح لكي نعرف إن كان العظم سيُشفى أو لا». تقوم الدكتورة كاميل بفحص ساق المريض، والتي لا يزال الجرح فيها مفتوحاً بعد قرابة شهرين على إصابته بطلقٍ ناري، حيث تمّ وضع مثبّتٍ خارجي لإبقاء أجزاء العظم المهشّم في مكانها، وهو عبارةٌ عن قضيبٍ معدنيّ متّصل بدبابيس مزروعة في الأجزاء الباقية من العظم بزوايا معيّنة. وتضيف: «قمت بإجراء عملٍ جراحيّ لهذا المريض سابقاً لإزالة شظايا العظم المتداخلة مع الجلد، وسأعمل الآن مع زميلي الجرّاح التجميلي جان ويناندس للكشف عن وجود أيّ بقايا من العظم الميت قبل إغلاق الجرح». لم تكن هذه العملية الجراحية الأولى بالنسبة إلى المريض، كما لن تكون الأخيرة أيضاً، فالجراحة التقويمية اللازمة لشفاء الجرح بشكلٍ نهائيّ صعبةٌ جدّاً، خصوصاً في ظل عدم وجود الأدوات اللازمة للقيام بالعمل الجراحي التقويمي، كما لا يمكننا أن نُصلح العظم بينما لا يزال الجرح مفتوحاً».
تُلقي الجروح بتأثيراتها العميقة على سكّان غزّة، وترهق كاهل الشريحة الأكبر من السكّان بالنفقات المادية ومسؤوليات الرعاية في مكانٍ أدّت فيه سنوات الاحتلال الطويلة والحرب والحصار إلى انهيارٍ شبهٍ تام في الوضع الاقتصادي، حيث وصلت نسبة البطالة في الفئة العمرية إلى ما بين 15ــــ29 عاماً إلى 60 في المئة حسب إحصاءات البنك الدولي، مع العلم بأنّ هذه الفئة تشكّل ثُلثي مرضى أطباء بلا حدود. أمّا بالنسبة إلى العائلات، فهي إمّا فقدت مصدر رزقها أو أنّ الذين يقومون بإعالة أفراد عائلاتهم العاطلين من العمل قد أرهقتهم الأعباء الإضافية المترتبة على رعايتهم. وفيما يحتاج المصابون إلى عملياتٍ جراحيةٍ تقويمية تخصّصية على مدى سنوات للحصول على فرصةٌ للتعافي، لا يتوافر هذا النوع من الجراحة في غزّة، ما يضع الكثير من المصابين أمام احتمال فقدان أطرافهم إلى الأبد.